أمّا الزيادات التي جاءت في الأساطير القديمة ونقلتها التوراة على علّاتها فهذا شيء نستخلص منه وننبذه كما نبذه القرآن واستخلص الحادث صافيا جليّا. الأمر الذي اختصّ به القرآن وكان نبأ غيبيّا لا يعلمه أيّ إنسان ذلك الحين. (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا). (١)
أي لا تعلمها بهذا الخلوص والجلاء. أمّا صورتها المشوّهة فكان يتداول بها أقوام جاهلون بحقيقة الأمر.
لا شاهد على شمول الطوفان
لا شكّ أنّ شواهد الطبيعة لا تدع مجالا لاحتمال شمول الطوفان ، ولا سيّما بذلك الارتفاع الهائل! كما لا موجب لتناول الإعجاز لمثل هذا الحدّ غير الضروري قطعيّا.
بقي ظاهر النصّ (التعابير الواردة في القرآن الكريم) ممّا حسبه البعض ذا دلالة أو إشارة إلى ذلك ، فضلا عن قرائن اخرى :
قال الشيخ محمّد عبده : وأمّا مسألة عموم الطوفان في نفسها فهي موضوع نزاع بين أهل الأديان وأهل النظر في طبقات الأرض ، وموضوع خلاف بين مؤرّخي الامم. أمّا أهل الكتاب وعلماء الأمّة الإسلامية فعلى أنّ الطوفان كان عامّا لكلّ الأرض. ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر. واحتجّوا على رأيهم بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجّرة في أعالي الجبال ، لأنّ هذه الأشياء ممّا لا تتكوّن إلّا في البحر ، فظهورها في رءوس الجبال دليل على أنّ الماء صعد إليها مرّة من المرّات ، ولن يكون ذلك حتّى يكون قد عمّ الأرض. (٢)
وقال السيّد الطباطبائي : الحقّ ، أنّ ظاهر القرآن الكريم ـ ظهورا لا ينكر ـ أنّ الطوفان كان عامّا للأرض ، وأنّ من كان عليها من البشر اغرقوا جميعا ...
ومن شواهد الآيات التى استند إليها قوله تعالى ـ حكاية عن نوح ـ (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى
__________________
(١) هود ١١ : ٤٩.
(٢) تفسير المنار ، ج ١٢ ، ص ١٠٨.
