وما هو إلّا غفلة عن جرأة أمثالهم في كلّ عصر على مثل هذا القول البعيد عن الأدب بعد صاحبه عن حقيقة الإيمان ، ممّن ليس لهم من الدين إلّا العصبية الجنسية والتقاليد القشرية ، فلا إشكال في صدوره عن بعض المجازفين من اليهود في عصر النبيّ صلىاللهعليهوآله وقد كان أكثرهم فاسقين فاسدين.
وطالما سمعنا ممّن يعدّون من المسلمين في عصرنا مثله في الشكوى من الله عزوجل والاعتراض عليه عند الضيق وفي إبّان المصائب.
وعبارة الآية لا تدلّ على أنّ هذا القول يقوله جميع اليهود في كلّ عصر حتّى يجعل إنكار بعضهم له في بعض العصور وجها للإشكال في الآية ، وإنّما عزاه إلى جنسهم ـ في حين أنّه قول بعضهم وهو «فنحاص» رأس يهود بني قينقاع وفي رواية : النباش بن قيس أحد رجالهم. وفي اخرى : أنّه حيي بن أخطب ـ لأنّه أثر ما فشا فيهم من الجرأة على الله وترك إنكار المنكر ، والمقرّ للمنكر شريك الفاعل له. على أنّ الناس في كلّ زمان يعزون إلى الامّة ما يسمعونه من بعض أفرادها ـ ولا سيّما إذا كان من أكابر القوم ـ إذا كان مثله لا ينكر فيهم. والقرآن يسند إلى المتأخّرين ما قاله وفعله سلفهم منذ قرون ، بناء على قاعدة تكافل الامّة وكونها كالشخص الواحد. ومثل هذا الاسلوب مألوف في كلام الناس أيضا. (١)
مقصوده من بعض أهل الجدل هو الإمام الرازى في تفسيره الكبير. (٢) لكن ليس يهود عصره هم الذين أنكروا صدور مثل هذا القول عن سلفهم ، بل حتّى في زماننا هذا اعترضت الجالية اليهودية القاطنة في إيران وقدّمت اعتراضها إلى المجمع الإسلامى مستعلمة منشأ انتساب هذا القول إليهم.
كما أنّ ظاهر القرآن أنّ هذا هو عقيدة أسلافهم باعتبارهم أمّة ، لا بالنظر إلى آحاد عاصروا عهد الرسالة قالوها عن جهالة أو مجازفة عابرة ، الأمر الذي لا يستدعي نزول قرآن بشأنه!
__________________
(١) تفسير المنار ، ج ٦ ، ص ٤٥٣.
(٢) راجع : ج ١٢ ، ص ٤٠.
