أبلغ أبواب السماء وطرقها ، حتّى إذا وصلت إليها رأيت إله موسى! لا يريد بذلك سوى الاستهزاء والتهكّم وتكذيب دعوى الرسالة. (١)
قال سيّد قطب : هكذا يموّه فرعون الطاغية ويحاور ويداور ، كي لا يواجه الحقّ جهرة ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهزّ عرشه وتهدّد الأساطير التي قام عليها ملكه. وبعيد عن الاحتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه ، وبعيد أن يكون جادّا في البحث عن إله موسى على هذا النحو المادّي الساذج. إنّما هو الاستهتار والسخرية ... وكلّ ذلك يدلّ على إصراره على ضلاله وتبجّحه في جحوده (وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) (ولكن) (وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ)(٢) صائر إلى الخيبة والدمار. (٣)
وعلى أيّة حال ، فليس في القرآن ما يشي بأنّه بنى الصرح وصعده ورمى بسهمه حسبما سطّره أصحاب الأساطير. كلّ ذلك لم يذكره القرآن ولا جاء في التوراة ، (٤) ولم يعرف المصدر الذي اعتمده هؤلاء القصّاصون ومهنتهم الاختلاق.
* * *
وأمّا مسألة هامان فهل كان لفرعون وزير بهذا الاسم؟
قال الإمام الرازي : قالت اليهود : أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أنّ هامان لم يكن على عهد فرعون وموسى وإنّما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر ، فالقول بأنّ هامان كان وزيرا لفرعون ، خطأ في التاريخ. على أنّه لو كان لم يكن رجلا خامل الذكر لم يسجّله التاريخ ولا جاء ذكره في تاريخ حياة بني إسرائيل. (٥)
نعم ، جاء في العهد القديم سفر «أستير» الإصحاح الثالث : أنّ هامان بن همداثا كان وزيرا للملك الفارسي «خشايارشا» الذي تصدّى الملك بعد أبيه «داريوش الكبير» سنة (٤٨٦ ق م) (٦) أي بعد فرعون موسى بعدّة قرون. وكان مقرّبا لديه ، ثمّ غضب عليه وصلبه
__________________
(١) تفسير المراغي ، ج ٢٤ ، ص ٧١.
(٢) غافر ٤٠ : ٣٧.
(٣) في ظلال القرآن ، المجلّد ٧ ، ص ١٨٣ ـ ١٨٤ ، ج ٢٤ ، ص ٧١ ـ ٧٢.
(٤) قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجّار ، ص ١٨٦.
(٥) التفسير الكبير ، ج ٢٧ ، ص ٦٦.
(٦) راجع : تاريخ إيران ، ص ٩٢.
