كذلك الدماغ وسط للإدراك والتفكير. (١) (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ). (٢)
وبذلك يتلخّص الإنسان ـ في نشاطه الفكري والعلمي ـ في قلبه ، ويتّحد القلب مع النفس والروح في التعبير عن حقيقة الإنسان ذاته. (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(٣) أي نفسي.
قال العلّامة الطباطبائي : لمّا شاهد الإنسان أنّ الشعور والحسّ قد يبطل في الحيوان أو يغيب عنه بإغماء أو صرع ونحوهما ولا تبطل الحياة ما دام القلب نابضا ، قطع بأنّ منشأ الحياة هو القلب وسرت منه إلى سائر الأعضاء. وأنّ الآثار الروحية وكذا الأحاسيس المتواجدة في الإنسان ـ من مثل الشعور والإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف ـ كلّها للقلب ، بعناية أنّه أوّل متعلّق للروح. وهذا لا ينافي كون كلّ عضو من الأعضاء مبدءا لعمل يخصّه ، كالدماغ للفكر والعين للإبصار والاذن للسمع والرئتين للتنفّس ونحو ذلك ، فإنّها جميعا بمنزلة الآلات والوسط إلى ذلك.
قال : ويتأيّد ذلك بما وجدته التجارب العلمية في الطيور ، لا تموت بفقد الدماغ ، سوى أنّها تفقد الشعور والإحساس ، وتبقى على هذه الحال حتّى تموت بفقد الموادّ الغذائية وإيقاف نبضات القلب.
والبحوث العلمية لم توفّق لحدّ الآن للعثور على مصدر الأحكام الجسدية أعني عرش التدبير في البدن. إذ أنّها في عين التشتّت والتفرّق في بنيتها ونوعية عملها ، هي مجتمعة تحت لواء واحد ومؤتمرة بأوامر أمير واحد ، وحدة حقيقية من غير انفصام.
وليس ينبغي زعم التغافل عن شأن الدماغ وما يخصّه من أمر الإدراك. وقد تنبّه الإنسان لما عليه الرأس من الأهميّة في استواء الجسد منذ أقدم الزمان ، وقد جرى على ألسنتهم التشبيه بالرأس والاشتقاق منه حيثما يريدون التعبير بالمبدئية في أيّ شيء.
__________________
(١) راجع : تفسير الميزان ، ج ٢ ، ص ٢٣٦.
(٢) ق ٥٠ : ٣٧.
(٣) البقرة ٢ : ٢٦٠.
