وأمّا الكلام في الاستثناء فقد اختلف فيه أقوال العلماء على وجوه :
أحدها : أنّه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار ، والزيادة من النعيم لأهل الجنّة. والتقدير : إلّا ما شاء ربّك من الزيادة على هذا المقدار (أي المضاعفة في العقوبة والمثوبة ، إضافة إلى جانب الخلود ، من أنواع العقوبة والنعيم).
وهذا كما يقول الرجل لصاحبه : لي عليك ألف دينار إلّا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا. فالألفان زيادة على الألف بغير شكّ ، لأنّ الكثير لا يستثنى من القليل. عن الزجّاج والفرّاء وعليّ بن عيسى وجماعة.
وعلى هذا فيكون «إلّا» بمعنى «سوى». أي سوى ما شاء ربّك. كما يقال : ما كان معنا رجل إلّا زيد ، أي سوى زيد.
وثانيها : أنّ الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر والحساب ، لأنّهم حينئذ ليسوا في جنّة ولا نار ، ومدّة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت والحياة ، لأنّه تعالى لو قال «خالدين فيها أبدا» ولم يستثن لظنّ الظانّ أنّهم في النار والجنّة من لدن نزول الآية أو من انقطاع التكليف. فحصل للاستثناء فائدة. عن المازني وغيره. واختاره البلخي.
فإن قيل : كيف يستثنى من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها؟ فالجواب : أنّ ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل دخولهم فيها.
وثالثها : أنّ الاستثناء الأوّل يتصل بقوله : (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ). وتقديره : إلّا ما شاء ربّك من [سائر] أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ، ولا يتعلّق الاستثناء بالخلود. وفي أهل الجنّة يتّصل بما دلّ عليه الكلام ، فكأنّه قال : لهم فيها نعيم إلّا ما شاء ربّك من أنواع النعيم. وإنّما دلّ عليه قوله : (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ). عن الزجّاج.
ورابعها : أن يكون «إلّا» بمعنى الواو ، أي : وما شاء ربّك من الزيادة. عن الفرّاء.
واستشهد على ذلك بقول الشاعر :
|
وأرى لها دارا بأغدرة السي |
|
دان لم يدرس لها رسم |
|
إلّا رمادا هامدا رفعت |
|
عنه الرّياح خوالد سحم (١) |
__________________
(١) أغدرة السيدان : موضع. والخوالد : الأثافي ، وهي الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القدر. والسحم : السود.
