وفي الكتابات ، ولا دخل للقرّاء بخصوصهم في ذلك أصلا. ولذلك فإنّ القرآن ثابت بالتواتر ، حتّى لو فرضنا أنّ هؤلاء القرّاء لم يكونوا في عالم الوجود. إنّ عظمة القرآن ورفعة مقامه أعلى من أن تتوقّف على نقل أولئك النفر المحصورين. (١)
موهم الاختلاف والتناقض زيادة على ما سبق
أورد ابن قتيبة قسما من آيات نحلوا فيها التناقض والاختلاف ، ممّا قدمنا الكلام فيها والإجابة عليها ، وأضاف :
قوله تعالى : (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) ، (٢) وهو يقول في موضع آخر : (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ. وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ). (٣)
وأجاب : إنّ في النار دركات ، والجنّة درجات ، وعلى قدر الذنوب والحسنات تقع العقوبات والمثوبات. فمن أهل النار من طعامه الزقّوم ، ومنهم من طعامه غسلين ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد.
والضريع : نبت يكون بالحجاز ، يقال لرطبه : الشبرق ، لا يسمن ولا يشبع. قال امرؤ القيس :
|
فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم |
|
غوارب رمل ذي ألاء وشبرق (٤) |
والعرب تصفه بذلك.
وغسلين : فعلين من غسلت ، كأنّه الغسالة. قال بعض المفسّرين : هو ما يسيل من أجساد المعذّبين (كالقيح).
وهذا نحو قوله : (سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ). (٥) وقرأ عيسى : سرابيلهم من قطر آن. (٦) والقطر : النحاس. والآن : الذي بلغ منتهى حرّه. (وقيل المذاب). كأنّ قوما يسربلون هذا ،
__________________
(١) البيان في تفسير القرآن للإمام الخوئي ، ص ١٧٤.
(٢) الغاشية ٨٨ : ٦.
(٣) الحاقّة ٦٩ : ٣٥ و ٣٦.
(٤) ألاء ـ بوزن علاء ـ : شجر حسن المنظر مرّ الطعم دائم الاخضرار ، ينبت في الرمل والأودية ؛ ورقه وحمله دباغ.
(٥) إبراهيم ١٤ : ٥٠. والقطران : سيّال دهني يتقاطر من بعض الأشجار كالصنوبر.
(٦) شواذ ابن خالويه ، ص ٧٠.
