سواء ، إذ لا يرى ذلك فلا يشقّ عليه. فيكون قد عاتب الله سبحانه نبيّه بذلك ، ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق ، وينبّهه على عظيم حال المؤمن المسترشد ، ويعرّفه أنّ تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه.
قال : وقال الجبّائي : في هذا دلالة على أنّ الفعل إنّما يكون معصية فيما بعد لا في الماضي ، فلا يدلّ على أنّه كان معصية قبل النهي عنه. ولم ينهه صلىاللهعليهوآله إلّا في هذا الوقت.
وقيل : إنّ ما فعله الأعمى كان نوعا من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض عنه.
إلّا أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه أعرض عنه لفقره ، وأقبل عليهم لرئاستهم تعظيما لهم ، فعاتبه الله على ذلك.
قال : وروي عن الصادق عليهالسلام أنّه قال : كان رسول صلىاللهعليهوآله اذا رأى عبد الله بن أمّ مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا ، وكان يصنع به من اللّطف حتى كان (ابن أمّ مكتوم) يكفّ عن النبيّ ممّا يفعل به ، (١) أي كان يمسك عن الحضور لديه استحياء منه.
قلت : الأمر كما ذكره هؤلاء الأعلام ، من أنّها فعلة لا تتناسب ومقام الأنبياء ، فكيف بنبيّ الإسلام المنعوت بالخلق العظيم؟! فضلا عن أنّ سياق السورة يأبى إرادة النبيّ في توجيه الملامة إليه. ذلك : أنّ التعابير الواردة في السورة ثلاثة «عبس» ، «تولّى» ، «تلهّى». الأوّلان بصيغة الغياب والأخيرة خطاب. على أنّ الأوّلين (عبس وتولّى) فعلان قصديّان (يصدران عن قصد وإرادة وعن توجّه من النفس). والأخير (تلهّى) فعل غير قصديّ (صادر لا عن إرادة ولا عن توجّه من النفس). فإنّ الإنسان إذا توجّه بكلّيّته إلى جانب فإنّه ملته عن الجانب الآخر ، على ما تقتضيه طبيعة النفس الإنسانية المحدودة ، لا يمكنه التوجّه إلى جوانب عديدة في لحظة واحدة! إنّما هو الله ، لا يشغله شأن عن شأن!
وهذا الفعل الأخير كان قد توجّه الخطاب ـ عتابا ـ إلى النبيّ ، لانشغاله بالنجوى مع القوم وقد ألهاه ذلك عن الإصغاء لمسألة هذا الوارد ، من غير أن يشعر به.
فهذا ممّا يجوّز توجيه الملامة إليه صلىاللهعليهوآله : كيف يصرف بكلّ همّه نحو قوم هم ألدّاء ،
__________________
(١) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٣٧.
