اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). (١) وغيرهما من آيات مكّية جاء الدستور فيها بالخفض واللين والرأفة مع المؤمنين ، فكيف يا ترى يتغافل النبيّ عن خلق كريم هي وظيفته بالذات ، ولا سيّما مع السابقين الأوّلين من المؤمنين ، وبالأخصّ مع من ينتمي إلى زوجته الوفيّة خديجة الكبرى أمّ المؤمنين. (٢)
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي : ما ذكروه سببا لنزول الآيات إنّما هو قول لفيف من المفسّرين وأهل الحشو في الحديث ، وهو فاسد ، لأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قد أجلّ الله قدره عن هذه الصفات ، وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب وقد وصفه بالخلق العظيم واللين وأنّه ليس بفظّ غليظ القلب؟! وكيف يعرض النبيّ عن مسلم ثابت على إيمانه جاء ليتعلّم منه ، وقد قال تعالى : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)!؟ (٣) ومن عرف النبيّ وحسن أخلاقه وما خصّه الله تعالى به من مكارم الأخلاق وحسن الصحبة ، حتّى قيل : إنّه لم يكن يصافح أحدا قطّ فينزع يده من يده حتّى يكون ذلك هو الذي ينزع يده. فمن هذه صفته كيف يقطب وجهه في وجه أعمى جاء يطلب زيادة الإيمان. على أنّ الأنبياء عليهمالسلام منزّهون عن مثل هذه الأخلاق وعمّا دونها ، لما في ذلك من التنفير عن قبول دعوتهم والإصغاء إلى كلامهم. ولا يجوّز مثل هذا على الأنبياء من عرف مقدارهم وتبيّن نعتهم.
نعم ، قال قوم : إنّ هذه الآيات نزلت في رجل من بنى اميّة كان واقفا إلى جنب النبي ، فلمّا أقبل ابن أمّ مكتوم تقذّر وجمع نفسه وعبس وتولّى. فحكى الله ذلك وأنكره معاتبا له. (٤)
قال الطبرسي : وقد روي عن الصادق عليهالسلام : أنّها نزلت في رجل من بني اميّة كان عند النبي ، فجاء ابن أمّ مكتوم ، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه.
قال : ولو صحّ الخبر الأوّل لم يكن العبوس ذنبا ، إذ العبوس والانبساط مع الأعمى
__________________
(١) الشعراء ٢٦ : ٢١٥ ، مكّية ، رقم نزولها : ٤٧.
(٢) تقدّم قريبا أنّه كان ابن خال خديجة رضوان الله عليها.
(٣) الأنعام ٦ : ٥٢.
(٤) تفسير التبيان ، ج ١٠ ، ص ٢٦٨ ـ ٢٦٩ بتصرّف يسير.
