المؤمن والكافر. وبدليل ما بعد الآية : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا). (١) حيث قوله : (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها). أي الجميع يردونها فيخرج المؤمن ويترك الظالم بحاله.
الأمر الذي يتنافى وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها). (٢) فكيف الوئام؟!
وقد ذكر المفسّرون هنا وجوها ، أوجهها ـ ما عن ابن مسعود والحسن وقتادة واختاره أبو مسلم ـ أنّه بمعنى الإشراف عليها ليشهدوا ذلك العرض الرهيب. فالمؤمنون يجوزونها ويدنون منها ويمرّون بها وهي تتأجّج وتتميّز وتتلمّظ ، ويرون العتاة ينزعون فيقذفون فيها.
قال تعالى : (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) لن يكونوا لوحدهم بل (وَالشَّياطِينَ) الذين هم قادتهم ، وبينهما صلة التابع والمتبوع والقائد والمقود. (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) جاثين على ركبهم في ذلّ وفزع. (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا). فلا يؤخذ أحد جزافا من تلك الجموع المتكاثفة. (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا) ليكونوا طليعة المقذوفين فيها.
وبعد ، فيأتي دور المؤمنين الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، فيأتي زرافات منهم ، يمرّون بهذا المشهد الرهيب ، فيزحزحون عنها وفي منجاة منها يجوزونها (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي نجعلهم في منجاة منها (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا)(٣) أي ندعهم جاثمين على ركبهم على شفا جرف هار لينهار بهم في نار جهنّم.
فقد كان المراد بالورود هنا هو الإشراف عليها ، كما في قوله تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ). (٤) وقوله : (فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ). (٥) إذ ليس المراد من الورود هنا الدخول ، بل الدنوّ والاقتراب. قال الراغب : الورود ، أصله قصد الماء ، ثمّ يستعمل في غيره. (٦) قوله : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) أي قصده واقترب منه. والوارد : الذي
__________________
(١) مريم ١٩ : ٧٢.
(٢) الأنبياء ٢١ : ١٠١ و ١٠٢.
(٣) مريم ١٩ : ٦٨ ـ ٧٢.
(٤) القصص ٢٨ : ٢٣.
(٥) يوسف ١٢ : ١٩.
(٦) المفردات ، ص ٥١٩.
