ذلك يكون البداء. وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه ، فنحن نعلمه». (١) وقد عنى بهذا العلم الذي تعلمه الملائكة والأنبياء والأئمّة هو العلم وفق مجاري الأمور الطبيعية ، والتي يمكن التخلّف فيها. ومن ثمّ قال الإمام امير المؤمنين عليهالسلام : والله لو لا آية في كتاب الله لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ). (٢)
* * *
وأمّا المسألة الثانية : هل لا يتنافى التقدير مع الاختيار؟ فقد استوفينا الكلام عنها عند البحث عن مسألة الاستطاعة والاختيار ، وتبيّن أنّ التقدير السابق لا يعدو سوى العلم بما سيقع وتقديره حسبما يقع ، من غير أن يكون العلم السابق ذا أثر في تحقّق المعلوم. فإنّ للظواهر الكونيّة عللا وأسبابا تكوينية هي التي تؤثّر في الفعل والانفعال التكوينيّين. كما أنّ للأفعال الاختيارية الصادرة من الفاعل المختار (الحيوان والإنسان) سببا مباشرا هي إرادته بالذات وليس مقهورا فيها.
فإذا كان الله يعلم ـ أزلا ـ ما ذا سيقع وسيتحقّق عبر الأبد ثمّ قدّر مجاريها ودبّر من شئونها بما يتواءم ونظام الكون فهذا لا يعني الإجبار ، ولا سيّما فيما يعود إلى أعمال يقوم بها الإنسان حسب إرادته واختياره. وليس من المنطق أن يفرض العلم بأمر علّة لوجوده.
والتقدير السابق ، إنّما هو العلم بالأسباب والمسبّبات ـ كما هي ـ ثمّ تدبير مجاريها حسب نظام الكون. فلا هناك جبر ولا سلب للمسئولية فيما يمسّ أفعال العباد الاختيارية.
(إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها)
قال تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا). (٣) والخطاب عامّ يشمل
__________________
(١) الكافي للكليني ، ج ١ ، ص ١٤٧ ، رقم ٨.
(٢) بحار الأنوار ، ج ٤ ، ص ٩٧ ، رقم ٤ و ٥ ، والآية ٣٨ من سورة الرعد.
(٣) مريم ١٩ : ٧١.
