ذلك قالوا : إنّ الرّوح قد سخط من هذا السؤال وترك الجلسة وذهب مغضبا!
نعم ، لا ننكر إمكان ذلك إجماليّا ، ولكن هل هذا الأمر يتمّ بهذه التوسعة؟ وهل هذه الأرواح هي أرواح الأموات أم غيرها؟ الأمر الذي لا يمكن البتّ فيه. غير أنّ هذه وأمثالها مظاهر روحية غريبة ، وهي في جميع أنحائها وأشكالها لا تمسّ قضية السحر حسبما كان يزعمه الأقدمون ـ من الاستعانة بأرواح الأفلاك والكواكب وتسخيرها ـ أو حسبما راج عند أوساط السذّج الأوهام اليوم وربّما بعد اليوم ما دام لم تكتمل العقول. (١)
كلام عن إصابة العين
قالوا : وممّا نجد القرآن متأثّرا بالبيئة العربية الجاهلة اعترافه بإصابة العين في مواضع :
الأوّل : قوله تعالى ـ حكاية عن يعقوب عليهالسلام ـ : (وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). (٢) قيل : خاف عليهم إصابة العين لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيبة وكمال وهم إخوة أولاد رجل واحد. (٣)
الثاني : قوله تعالى : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ). (٤) قيل : يزلقونك بمعنى يصيبونك بأعينهم. قال الطبرسي : والمفسّرون كلّهم على أنّه المراد من الآية. (٥)
الثالث : قوله تعالى : (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ). (٦) قيل : أي من شرّ عينه. (٧) وعن ابن أبي عمير رفعه قال : أما رأيته إذا فتح عينيه وهو ينظر إليك هو ذاك. (٨)
والكلام هنا من جهتين ، الأولى : هل القرآن تعرّض لتأثير العين ، سواء كان حقّا أم
__________________
(١) راجع في ذلك كلّه : الإنسان روح لا جسد ، للاستاذ رءوف عبيد ، في ثلاث مجلّدات ضخام ، وغيره ممّن كتبوا في هذا الشأن وهي كثيرة جدّا.
(٢) يوسف ١٢ : ٦٧.
(٣) مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ٢٤٩.
(٤) القلم ٦٨ : ٥١ ـ ٥٢.
(٥) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٣٤١.
(٦) الفلق ١١٣ : ٥.
(٧) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٥٦٩.
(٨) معاني الأخبار للصدوق ، ص ٢١٦ ، طبع النجف.
