الارتباط الوثيق بين شيئين أو شخصين عقدة ، كما جاء التعبير عن الارتباط بين الزوجين «عقدة النكاح» قال تعالى : (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ). (١)
(إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ). (٢) ومعنى الآية : ومن شرّ النمّامين الذين يحاولون بوساوسهم الخبيثة قطع الأواصر بين المتحابّين. وهذا من التشبيه في الجمل التركيبية ، نظير التشبيه في سورة المسد بشأن أمّ جميل امرأة أبي لهب (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)(٣) أي النمّامة. حيث النمّام يحمل على عاتقه حطب لهيب النفاق والتفرقة بين المتحابّين. وجاء مناسبا مع تكنّي زوجها بأبي لهب. فهي تحمل حطب هذا اللهب. فكما أنّها لم تكن تحمل حطبا حقيقة ـ كما زعمه بعضهم ـ لأنّها بنت حرب أخت أبي سفيان وكذا زوجها أبو لهب ، كانا من أشراف قريش الأثرياء ، غير أنّهما كانا يحملان خبثا ولؤما بالغين.
فالنميمة تحوّل ما بين الصديقين من محبّة إلى بغضاء بالدسائس وهي وسائل خفيّة تشبه السحر الذي هو ما لطف ودقّ مأخذه. فالنّمام يأتي بكلام يشبه الصدق ويؤثّر في خلدك كما يفعل الساحر المشعوذ إذا أراد أن يحلّ عقد المحبّة والوداد بين كلّ متحابّين. إذ يتزمزم بألفاظ ويعقد عقدة وينفث فيها ، ثمّ يحلّها إيهاما للعامّة أنّ هذا حلّ للعقدة بين الزوجين أو غيرهما. فهو من التشبيه المحض وليس المقصود ما تفعله السحرة بالذات. الأمر الذي يتناسب مع سائر آيات سورة الفلق : (مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ). أي ومن شرّ الليل إذا دخل وغمر كلّ شيء بظلامه. والليل إذا كان على تلك الحال كان مخوفا باعثا على الرهبة والوحشة ، لأنّه ستار يختفي في ظلامه ذوو الإجرام إذا قصدوك بالأذى ، وعون لأعدائك إذا قصدوا بك الفتك ... وهكذا قوله : (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) يعني : شرّ حاسد إذا حاول إنفاذ حسده بالسعي والجدّ في إزالة نعمة من يحسده. فهو يعمل الحيل وينصب شبائكه لإيقاع المحسود في فخّ الضرر والأذى ، يعمل ذلك بأدقّ الوسائل لتنفيذ مكايده.
__________________
(١) البقرة ٢ : ٢٣٥.
(٢) البقرة ٢ : ٢٣٧.
(٣) المسد ١١١ : ٤.
