عند رغباتهم الملحّة التي تستدعيها عيشتهم تلك الجافية وفي وسط تلك الصحراء القاحلة ، ممّا لا يستلفت رغبات العائشين في أوساط خصبة فارهين. وذلك في مثل وصف الجنان بظلّ الأشجار ومجاري الأنهار والحور والقصور. ومثلها نعوت هي أوصاف جمال عند العرب وليس عند غيرهم.
لكنّه وهم نشأ من سوء التدبّر وعدم الإحاطة بدقائق اللغة التي خاطب بها القرآن العرب وسائر العالمين جميعا.
ولنأت بأمثلة ممّا أوقعهم في هذا الوهم :
الحور العين
عين : جمع عيناء وهي المرأة ذات الأعين الوسيعة والمتناسبة مع تقاسيم وجهها الوسيم. كما يقال للبقر الوحش : عين ، لحسن عينها في سعة متناسبة.
حور : جمع حوراء. زعموا أنّها المرأة ذات الأعين السود في حدقتها ، وهو وصف جمال عند العرب بالذات ممّا قد يخالف الجمال في بنات الروم في عيونهنّ الزرق! ويعدّ ذلك عيبا عند العرب ، ومن ثمّ جاء وصف المجرمين بأنّهم يحشرون يوم القيامة زرقا. (١)
فجاء كلا الوصفين ـ جمالا وعيبا ـ على مقاييس العرب محضا.
غير أنّ الخطأ هنا جاء من قبل تفسير الحور بالسواد ، في حين أنّه البياض اللّامع لشدّة ابيضاضه. فالحور شدّة بياض العين بما يوجب شدة بريق سواد حدقتها. والحواريّات : النساء البيض. قال الأزهري : لا تسمّى المرأة حوراء حتّى تكون مع حور عينيها بيضاء لون الجسد. قال الكميت :
|
ودامت قدورك للساعيي |
|
ن في المحل غرغرة واحورارا |
قال ابن منظور : أراد بالغرغرة صوت الغليان ، وبالاحورار بياض الإهالة والشحم.
والأعراب تسمّي نساء الأمصار حواريّات لبياضهنّ وتباعدهن عن قشف
__________________
(١) وذلك في قوله تعالى : (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) ، طه ٢٠ : ١٠٢.
