علمية محضة ، وإنّما هو إخبار غيبي لا مصدر له سوى وحي السماء ، وقد أكّدت عليه جميع الكتب السماوية واعتقدته أصحاب الملل ممّن صدّق برسالات الله في الأرض ، من غير خلاف بينهم في أصل وجوده ، إذن فلا مجال للتراجع تجاه إيهام أن سوف يرفضه العلم ، مع فرض أن لا متّسع للعلم في هكذا مجالات هي وراء ستار الغيوب!
وللشيخ محمّد عبده كلام تفصيلي حول الملائكة والجنّ والشياطين ، له وجه وجيه لمن تدبّره بإمعان ، وعبثا حاول بعضهم الإنكار عليه وربّما رميه بالخروج عن مظاهر الدين ، وما هذه الهجمة إلّا جفاء بشأن عالم مجاهد في سبيل الإسلام خبير. (١)
كلام عن مسّ الجنّ
وأمّا الكلام عن مسّ الجنّ وأنّ الجنون داء عارض من مسّه فيعالج باللجوء إلى الرقي والتعويذات ودمدمة الكهنة وأصحاب التسخيرات وما إلى ذلك من خرافات بائدة. فالذي يمكننا القول فيه : أن ليس في القرآن شيء من ذلك ، حتّى ولا إشارة إليه ، إذ لا شكّ أنّ الجنون داء عصبيّ وله أنحاء. بعضها صالح للعلاج بأسباب عادية ذكرها الأطبّاء في كتبهم قديما وحديثا ، وهناك مراكز لمعالجة هذه الأمراض أو التخفيف من وطئتها بالأساليب العلاجية الطبيعية المتعارفة وليست بالأساليب الغريبة.
وليس في القرآن ما يبدو منه أنّ صاحب هذا الداء إنّما يصاب على أثر مسّ الجنّ له. نعم سوى استعماله لهذه اللفظة (المجنون) في أحد عشر موضعا. (٢)
وكذا التعبير بمن به جنّة في خمسة مواضع. (٣) وهذا من باب المجاراة في الاستعمال (٤) ـ كما نبّهنا ـ حيث كان التفاهم بلسان
__________________
(١) راجع ما كتبه بهذا الشأن في تفسير المنار ، ج ١ ، ص ٢٦٧ ـ ٢٧٣ ، وج ٣ ، ص ٩٦. وراجع أيضا : الميزان ، للسيد الطباطبائي ، ج ٢ ، ص ٤٣٣ ـ ٤٣٩.
(٢) الحجر ١٥ : ٦ ؛ الشعراء ٢٦ : ٢٧ ؛ الصافّات ٣٧ : ٣٦ ؛ الدخان ٤٤ : ١٤ ؛ الذاريات ٥١ : ٣٩ و ٥٢ ؛ الطور ٥٢ : ٢٩ ؛ القمر ٥٤ : ٩ ؛ القلم ٦٨ : ٢ و ٥١ ؛ التكوير ٨١ : ٢٢.
(٣) الأعراف ٧ : ١٨٤ ؛ المؤمنون ٢٣ : ٢٥ و ٧٠ ؛ سبأ ٣٤ : ٨ و ٤٦.
(٤) أي من تسمّونه بهذا الاسم. أو تسمونه بهذه السمة في استعمالكم المتعارف عندكم.
