القوم. وليس عن اعتراف بمنشإ هذه التسمية اللغوية. ولا يزال الأطبّاء المعالجون ـ قديما وحديثا ـ يعبّرون عن المصاب بهذا الداء بالمجنون وعن نفس الداء بالجنون ، مجاراة مع لغة العامّة ، ولا يعني ذلك اعتقادهم بمسّ الجنّ إيّاه حتميّا. وتلك دور المجانين معدّة لمعالجة المصابين بهذا الداء أو للحراسة عنهم مرسوم عليها نفس العنوان وليس إلّا لأجل التفاهم مع العرف الدارج لا غير.
وأمّا قوله تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ)(١) فالمراد من المساس هنا هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية ، والتي هي عبارة عن استحواذه على عقلية اهل المطامع ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء وفي غياهب غيّهم يعمهون. وهذا إنّما يعني استيلاء الشيطان على شراشر وجودهم فعموا وصمّوا (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ). (٢) (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ). (٣) قال تعالى ـ حكاية عن نبيّ الله أيّوب عليهالسلام ـ : (إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ). (٤) أي مسّني ضرّ وساوسه ودسائسه الخبيثة في سبيل إيقاع أولياء الله في النصب ومكابدة الآلام ، كما في قوله : (إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). (٥) فمسّ الشيطان هو مسّ ضرّه على أثر دسائسه الخبيثة ، لا الإضرار مباشرة. (٦)
التشبيه في رءوس الشياطين
قال تعالى : (أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ. فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ). (٧)
وهذا أيضا أخذوه على القرآن ، حيث التعبير برءوس الشياطين جاء على
__________________
(١) البقرة ٢ : ٢٧٥.
(٢) الأنعام ٦ : ٧١.
(٣) المجادلة ٥٨ : ١٩.
(٤) ص ٣٨ : ٤١.
(٥) الأنبياء ٢١ : ٨٣.
(٦) راجع : التفسير الكبير ، ج ٧ ، ص ٨٩ ؛ والميزان ، ج ٢ ، ص ٤٣٦.
(٧) الصافّات ٣٧ : ٦٢ ـ ٦٦.
