ذكرنا ـ فيما عدا منبعا واحدا لم يكن من المصلحة تجفيفه آنذاك ، وذلك هو رقّ الحرب ، لملابسات سوف نذكرها. وعليه فقد أعلن ـ لكن في غير صراحة ـ إلغاء نظام الرّقّ من حيث المبدأ ، وإن كان التشديد عليه بحاجة إلى توفّر شرائط لم تكن مؤاتية حينذاك ، كما أشرنا إليه وسنشير. وينبغي أن ندرك حقائق اجتماعية وسيكلوجيّة وسياسيّة أحاطت بموضوع الرّقّ ، وأخّرت هذا الاعلان (الصريح) المرتقب. وإن كان ينبغي أن ندرك أنّه تأخّر في الواقع كثيرا جدّا عمّا أراد له الإسلام ، وعمّا كان يمكن أن يحدث لو سار الإسلام في طريقه الحقّ ، ولم تفسده الشهوات والانحرافات.
يجب أن نذكر أوّلا أنّ الإسلام جاء والرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم كما أسلفنا ، وكان إبطاله في حاجة إلى زمن. ويكفي الإسلام على أيّ حال أن يكون هو الذي بدأ حركة التحرير في العالم ، وأنّه في الواقع جفّف منابع الرّقّ القديمة ، لو لا منبع جديد ظلّ يفيض بالرّقّ من كلّ مكان ، ولم يكن بوسع الإسلام يومئذ القضاء عليه ، لأنّه لا يتعلّق به وحده ، وإنّما يتعلّق بأعدائه الذين ليس له عليهم سلطان ، ذلك هو رقّ الحرب. فقد كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم. وكان هذا العرف قديما جدّا موغلا في ظلمات التاريخ يكاد يرجع إلى الإنسان الأوّل ، ولكنّه ظلّ ملازما للإنسانيّة في شتّى أطوارها.
وجاء الإسلام والناس على هذا الحال ، ووقعت بينه وبين أعدائه الحروب ، فكان الأسرى المسلمون يسترقّون عند أعداء الإسلام ، فتسلب حرّياتهم ، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يومئذ يجري على الرقيق. وتنتهك أعراض النساء ... عندئذ لم يكن في وسع الإسلام أن يطلق سراح من يقع في يده من أسرى الأعداء. فليس من حسن السياسة أن تشجّع عدوّك عليك بإطلاق أسراه ، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء. والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه ، أو هي القانون الوحيد.
وممّا هو جدير بالإشارة هنا أنّ الآية الوحيدة الّتي تعرّضت لأسرى الحرب : (فَإِمَّا
