فانطلق الكلبيّون فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه وعند من هو ، فخرج حارثة وأخوه كعب لفدائه فقدما مكّة فدخلا على النبيّ صلىاللهعليهوآله فقالا : يا ابن عبد المطّلب ، يا ابن هاشم ، يا ابن سيّد قومه ، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه! فقال : من هو؟ قالا : زيد بن حارثة. فدعاه وخيّره فاختار البقاء في كنف رسول الله صلىاللهعليهوآله ورضيا بذلك.
وكان صلىاللهعليهوآله قد عزم على تبنّيه ، فتبنّاه على ملأ من قريش ، فأصبح مولاه عن رضا نفسه. (١)
فيا ترى هل من المعقول أنّ شريعة ـ كشريعة الإسلام الداعية إلى تحرّر الإنسانية ـ تقرّر من رقّيّة مثل زيد ، بهذا الشكل الفضيع المشجى الذي تمجّه النفوس الأبيّة فضلا عن العقول الحكيمة!؟
كلّا ، لا يقرّره أبدا ، ما عرفنا من الإسلام دين الفطرة ، دين الإنسانية المتحرّرة ، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم. (٢)
قالوا :
وهنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار والضمائر : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الرقيق ، وسبق بها العالم كلّها متطوّعا غير مضطرّ ولا مضغوط عليه ، فلما ذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية؟ فيعلن في صراحة كاملة إلغاء الرّقّ من حيث المبدأ ، وبذلك يكون قد أسدى للبشريّة خدمة لا تقدّر ، ويكون هو النظام الأكمل الذي لا شبهة فيه ، والجدير حقّا بأن يصدر عن الله الذي كرّم بني آدم ، وفضّلهم على كثير ممّن خلق؟! (٣)
قلت : ليس يخفى على ذوي اللّبّ أنّ الإسلام قد جفّف منابع الرّقّ كلّها ـ كما
__________________
(١) راجع : تمام القصّة في أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة زيد ، ج ٢ ، ص ٢٢٤ ـ ٢٢٥.
(٢) من الآية (١٥٧) من سورة الأعراف.
(٣) سؤال طرحه سيد قطب وأجاب عليها بما جاء ملخّصا هنا. (شبهات حول الإسلام ، ص ٣٩).
