قد توفّي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية ، ولم يرو راو أنّها كانت ذات جمال أو ثروة أو مكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرا في هذا الزواج. وإنّما كان زوجها من الرجال السابقين الأوّلين الذين احتملوا الأذى في سبيل الإسلام وكان ممّن هاجر إلى الحبشة بأمر النبيّ عبر البحر إليها ، وكانت سودة هاجرت معه وعانت من المشاقّ ما عانى ولقيت من الأذى ما لقي. فإذن تزوّجها النبيّ بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى امومة المؤمنين. وكان زواجه مع عائشة بعد شهر وهي لم تبلغ مبلغ النساء ، (١) وبقيت سنتين قبل أن يبني بها ، فليس من العقل أو يرضاه المنطق أن يكون قد علق قلبه بها وهي في هذه السنّ الصغيرة.
قال الأستاد هيكل (٢) : يؤيّد ذلك زواجه مع حفصة بنت عمر ـ بعد وفاة زوجها خنيس ببدر ـ في غير حبّ ، بشهادة أبيها عمر ، قال لها ، عند ما آذت هي وعائشة رسول الله : والله لقد علمت أنّ رسول الله لا يحبّك ولو لا أنا لطلّقك. (٣) قال : أفرأيت إذن أنّ محمّدا صلىاللهعليهوآله لم يتزوّج من عائشة ولم يتزوّج من حفصة لحبّ أو لرغبة ، وإنّما تزوّج منهما ليمتن أواصر هذه الجماعة الإسلاميّة الناشئة. كما تزوّج من سودة ليعلم المجاهدون من المسلمين أنّهم إذا استشهدوا في سبيل الله فلن يتركوا وراءهم نسوة وذرّية ضعافا يخافون عليهم عيلة. وهكذا في زواجه من زينب بنت خزيمة ومن أمّ سلمة. فقد كانت زينب زوجا لعبيدة بن الحارث الذي استشهد يوم بدر ولم تكن ذات جمال ، وإنّما عرفت بطيبتها وإحسانها حتّى لقّبت أمّا لمساكين ، وكانت قد تخطّت الشباب ، فلم تك إلّا سنة أو سنتين ثم قبضها الله. أمّا أمّ سلمة فكانت زوجا لأبي سلمة وكان لها منه أبناء عدّة. فلمّا توفّي زوجها على أثر جراحة أصابته في أحد فنغرت عليه ولحق بجوار ربّه. وبعد أربعة أشهر وعشر من وفاته طلب النبيّ إلى أمّ سلمة يدها فاعتذرت بكثرة العيال وبأنّها تخطّت الشباب ، فما زال بها حتّى تزوّج منها وحتّى أخذ نفسه بالعناية لها وتنشئة أولادها.
__________________
(١) قال ابن هشام : زوّجها من رسول الله أبوها أبو بكر ولها سبع سنين وبنى بها بالمدينة ولها تسع أو عشر. (سيرة ابن هشام ، ج ٤ ، ص ٢٩٣)
(٢) حياة محمّد ، ص ٢٨٨.
(٣) الدرّ المنثور : ج ٨ ، ص ٢٢١.
