أهل الله الكمّل من المواظبة عليها كلها ، فإن المستحبات طريق لتكميل السنن ، وكذا السنن منهاج لتكميل الواجبات ، وكذا الواجبات سبيل لتكميل الفرائض.
ومنه يعلم الفرق بين حال النبي صلىاللهعليهوسلم ، وبين حال غيره من أمته ؛ لأن من خاصته عليهالسلام أن يدخل على الله تعالى في كل عمل بما يليق بذلك المقام على الوجه الأكمل ؛ ولذا كان يفعل شيئا مرة ، ويترك أخرى ما عدا الفرائض ، والواجبات بخلاف حال غيره ، فما فعل صلىاللهعليهوسلم مرة في عمره ؛ ينبغي أن يفعله الأمة مرارا متصلة بآخر أعمارهم ، فإن به يتصل الفيض ، ويقوم التوجه ، ويدوم الصلاة.
وفي ذكر السجدة : إشارة إلى أن أفضل أحوال الصلاة حال السجدة ؛ لأنها إشارة إلى الفناء عن التعينات ، والبقاء بالمتعين المطلق المنزّه عن التعين ، واللام تعيّن في الحقيقة ، وأشار بالتطوّع إلى المروءة الإنسانية ، وإن رتبة الإنسان من أعلى رتب الوجود.
ولمّا كانت الصلاة عماد الدين ، والبيت لا يقوم إلا بالعماد ؛ أشار بالبيت إلى الجزاء المجانس للعمل ، الموافق للكسب ، فمن أقام الصلاة في الدنيا ؛ أقام الله تعالى له بيتا عظيما في الآخرة بحيث لا يوصف عظمته.
وقال : «في الجنة» إشارة إلى ما أعطاه تعالى من البيت ، إنما هو بمقابلة الأفعال الظاهرة في الصلاة ، وأمّا ما أعطاه في مقابلة الحركات الباطنة فيها ؛ فهو باطن عن العقول خفي عن الأذهان كما قال تعالى :
(هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) [الرحمن : ٦٠].
وقال : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة : ١٧] ؛ لأن النفس لا تدرك إلا الظواهر المشهودة لا البواطن المخفاة في غيب الحق ، جعلنا الله وإياكم من القائمين بأمره ، الدائمين على صلواته آمين.
٢٦ ـ في حديث البخاري : «من صوّر صورة ؛ فإن الله معذّبه حتى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبدا» (١) :
__________________
(١) رواه البخاري (٢ / ٧٧٥) ، ومسلم (٣ / ١٦٧١).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
