كان المذكور من الصيام والإتّباع كما في قوله صلىاللهعليهوسلم : «كصيام الدهر» (١) : أي السنة أو العمر ، فإن الدهر هو الله تعالى ، وصيامه إشارة إلى صمدانيته التي لا تقتضيه الأكل والشرب ونحوهما ؛ يعني : كان ذلك اتصافا بصفة الله تعالى ، وهو التنزّه في مدة العمر عن الأمور الطبيعية البشرية ؛ ولذلك أورد الست على التأنيث ؛ إشارة إلى الليالي ، فإن الست مع ثلاثين.
وكذلك الست معها تبلغ إلى الاثنين وسبعين ؛ وهي مدة العمر لهذه الأمة غالبا ، وعندها يغلق باب التوبة الذي بين مصراعيه سبعون سنة ، هذا من خواص شهر رمضان.
وأمّا صوم غيره فليس بهذه المثابة ؛ بل كل يوم عشرة على مقتضى قوله تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأنعام : ١٦٠].
فالحديث المذكور يخصّص هذه الآية ، ففرّق بين عموم الحسنة وخصوصها ، وربما يكون الحسنة الواحدة من واحد من المقرّبين تملؤ ما بين السماء والأرض بخاصتها التي هي الإخلاص ، فإن الإخلاص سرّ من أسرار الله أيضا لا يودعه الله إلا في قلب من يشاء من عباده.
ولا شك أن السر أوسع من الروح ، أوسع من الجسد ، وذلك إن الجسد من عالم الملك ، والروح من عالم الملكوت.
كما دلّ عليه قوله تعالى : (فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس : ٨٣] : أي روحه الذي يلي الحق ؛ ولذا يقبضه الحق بيده.
وأمّا السرّ فمن عالم الجبروت ، وسرّ السرّ من عالم اللاهوت ، وربما يطلقون السرّ ويريدون به سرّ السرّ ؛ وهو السرّ المطلق الساري في الأرواح الإنسانية ، وهو مكشوف عند الإكليل ، مخفى عند غيرهم ، وبه يظهر الفرق بين العارف والجاهل.
فطوبى لمن صام الدهر كله ؛ وهو مفطر.
فإن الصوم الحقيقي ليس بصوم الوصال صورة ؛ بل بصومه معنى ، كما قال
__________________
(١) رواه مسلم (٢ / ٨٢٢) ، وأبو داود (٢ / ٣٢٤).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
