فادعاء نبوة بعضهم خرق الإجماع ؛ بل ردّ للنص ، وكفر بالتنزيل ، عصمنا الله وإياكم من سوء الفهم ، وقلة العقل ، والكشف السفلي.
ثم إن معنى اتصال الولاية : ظهور نور الحقيقة في مرآة علي رضي الله عنه أكثر من ظهوره في غيره ، إذ لا يخفى أن كل واحد من الأولياء ؛ بل من الكائنات محتمل نوره صلىاللهعليهوسلم ؛ «لكن أين السهى من الزبرقان ؛ وهو من يوح (١)».
وفيه إشارة بأن كل من هو أقوى اتصالا به صلىاللهعليهوسلم في ولايته ؛ كان أشد تأييدا لدينه ؛ لكمال الراجح ، ودعائه البالغ ، وندائه القاصي ، وظهر من هذا التقرير أن قوله صلىاللهعليهوسلم : «فاطمة بضعة مني» (٢) ؛ إنما أراد به كونها قطعة من بشريته وجسمانيته ، وإن كان مشعرا بفضلها في الجملة إذ لا كلام في كمالها في نفسها على ما دلّ عليه بعض الأحاديث الصحيحة.
وأمّا الحديث الثاني : فمعناه أنا أبو هذه الأمة كما دلّ عليه قوله تعالى : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [الأحزاب : ٦] ، فإذا انتقلت أنا من هذا الموطن ؛ فأنت أبو هذه الأمة بطريق الخلافة ، والإرث الحقيقي ، إذ لا يجتمع صديقان وقطبان في زمان واحد ؛ لأن الله تعالى فرد في اسمه الأعظم.
وأشار بتخصيص أبوة علي بالذكر مع أنه الخلفاء الحقيقيين المتسلسلة كلهم آباء الأمة ، كما أن أزواجهم أمهاتهم إلى أن أبويته أبوة كاملة ؛ ولذا لم يكن طريق من الطرق الحقة إلا وقد كانت مغربة ومنتهية إليه ، فهو رضي الله عنه مصدر جميع الأسرار ، ومنحة جملة الأطوار ، ومطلع عموم الأنوار ، وأول طالع يدا بالإشراق من مطلع الولاية ، وأول لامع أخذ بالإضاءة من شرق الهداية ، وكان له نهاية إضافية هو الختم المكتوم ، ونهاية حقيقية الختم المعلوم ، والكل نور على نور ، وسرّ مقسوم.
أمّا الحديث الثالث : فمعناه : إن فاطمة رضي الله عنها ، وإن كانت أحب إليه صلىاللهعليهوسلم من علي كرم الله وجهه ؛ لكن حبه لها لا يستلزم عزّتها في نفسها ؛ لأن ذلك يرجع في الحقيقة إلى البشرية والطين ، وإن كان لها كمال ظاهر في الدين ، وأمّا علي
__________________
(١) السهى : اسم نجم خفي ، والزبرقان : القمر ، ويوح : اسم من أسماء الشمس.
(٢) رواه البخاري (٣ / ١٣٤٦) ، ومسلم (٤ / ١٩٣).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
