__________________
ـ مجعولا ، ولو كان كذلك لكان للعلم القديم في تغير معلوماته فيه أزلا أثر مع أنها غير خارجة عن العالم بها ، فإنها معدومة لا نفسها ، لا ثبوت لها إلا في نفس العالم بها ، فلو قيل بجعلها لزم إما مساواتها للعالم بها في الوجود ، أو أن يكون العالم بها محلّا لقبول الأثر من نفسه في نفسه ، وظرفا لغيره أيضا ، وكل ذلك باطل ؛ لأنه قادح في صرافة وحدته سبحانه أزلا ، وقاض بأن الوجود المفاض عرض لأشياء موجودة لا معدومة ، وكل ذلك محال من حيث أنه تحصيل للحاصل ، ومن وجوه أخر لا حاجة إلى التطويل بذكرها فافهم ، فثبت أنها من حيث ما ذكرنا غير مجعولة ، وليس ثمة وجودان كما ذكر بل الوجود واحد ، وهو مشترك بين سائرها مستفاد من الحق سبحانه وتعالى.
ثم إن هذا الوجود الواحد العارض للممكنات المخلوقة ، ليس بمغاير في الحقيقة للوجود الحق الباطن ، المجرد عن الأعيان والمظاهر ، إلا بنسب واعتبارات ، كالظهور والتعين والتعدد الحاصل له بالاقتران ، وقبول حكم الاشتراك ، ونحو ذلك من النعوت التي تلحقه بواسطة التعلق بالمظاهر انتهى المراد منه بلفظه ، وقد نقله ببعض حذف منه الجامي في «الدرة الفاخرة».
وفي «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام» في الكلام على الأمر الوحداني ما نصه : هو المشار إليه بقوله تعالى : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)[القمر : ٥٠] ، وأمره الواحد عبارة عن تأثيره الوحداني بإفاضة الوجود الواحد المنبسط على الممكنات القابلة الظاهرة به ، والمظهرة إياه متعددا متنوعا بحسب ما اقتضته حقائقها المتعينة في العلم الأزلي ، وذلك لأن الحق من حيث وحدة وجوده لا يصدر عنه إلا واحد ؛ لاستحالة إيجاد الواحد من كونه واحدا ما هو أكثر من واحد إلا أن أرباب النظر العقلي من الفلاسفة ، يرون أن ذلك الواحد هو العقل الأول ، وعلى قاعدة الكشف هو الوجود العام ، وينبغي أن تعلم أنه ليس المراد بالعموم أنه كلي ، لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ، فإن ذلك مما لا يصلح أن يكون موجودا في الأعيان ، بل المراد بالعموم اشتراك جميع الممكنات في أنه هو المفاض عليها ، المضاف إليها ما وجد منها ، وما لم يوجد مما سبق العلم بوجوده ، وهذا الوجود مشترك بين القلم الأعلى الذي هو أول موجود المسمى بالعقل الأول ، وبين سائر الموجودات ؛ إذ ليس ثم إلا الحق والعالم ، العالم ليس بأمر زائد على حقائق معلومة الحق أولا متصفة بالوجود ثانيا انتهى منه بلفظه.
وقد تعرض في «جواهر المعاني» في الفصل الثالث من الباب الخامس نقلا عن شيخه أبي العباس التجاني لإيضاح هذه الوحدة ، وبيانها على مذهب القوم ، وإبطال ما قاله أهل الظاهر من إحالتها ، وإبطال ما ألزموه لمن قال بها ، وهو أنها تستلزم تساوي الشريف والوضيع ، واجتماع المتنافيين والضدين إلى
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
