التعين الأول ثم ينسلخ عنه فيحصل له الفناء التام ؛ فإن أعيد إلى حيث ما ابتدأ منه يتلبس بلباس البقاء ثم يمر على تلك المراتب جميعها فلا يبقى له غير وجود الحي ولكونه عين الحق فيبصر به وسمعه يسمع به وهكذا فالعابد والمعبود والشاهد والمشهود إذا هو الله لا غير.
أقول : ظهر من هذا سر قولهم : الفقير لا يحتاج إلى الله ، وذلك لأن مثل هذا الفقير كان غنيا بالله أو لا وجود له سوى وجود الله فلا غناء له إلا غناء الله فيرتفع إضافة الاحتياج كما أن من كان خزانة السلطان بيده كيف يحتاج إلى شيء بل إلى السلطان غناهما غناء واحد ، والشيء لا يحتاج إلى نفسه فافهم ؛ فإنه مزالق الأقدام.
قال حضرة الشيخ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) [الرحمن : ٢٦] فإذا كان «من» فانيا فكل ما يتبع «من» فهو فان أيضا.
ثم قال : [...] قال : من خدم ، أي : خدم في الدنيا والآخرة ؛ فإن الله تعالى لا يضيع الخدمة ، استأذن يعقوب دده الاسكوبي من أتباع هذا الفقير للذهاب إلى حضرة الكعبة من البحر وقد جاء معي من بروسة إلى زيارة حضرة الشيخ في ماغوسة ، فقال حضرة الشيخ : هل لك مائة دينار؟ قال : لا ، قال : فاسمع ، إن الشيطان إذا لم يقدر على إضلال الإنسان وإذلاله من طريق الباطل ؛ فإنه يجيء من طريق الخير مثلا يعلم لو كلفك بالقتل وشرب الخمر ونحوهما أنك ما تساعده في ذلك فيوسوس في الحج ليقطعك عن طريق العلم والعمل ؛ فإنك قبل أن تصل إلى مصر يحصل لك ملال من الطريق فيتشوش البدن والخاطر ، ثم يزداد ذلك يوما فيوما فيحصل الفتور في العبادات بل تترك بعض الأوراد المعتادة فلو أقمت في حجرتك وكنت على العلم والعمل مواظبا لكان خيرا لك ؛ فإن ما أردت من ثواب الحج يحصل في تلك الحجرة أيضا والمقصود العبودية والاشتغال بالعلم والعمل والحضور أعون شيء لذلك.
ثم قال : جاء إلى شيخي مرة واحد من العلماء من أتباعه ، يقال له : مصطفى أفندي فاستأذن للخروج إلى مكة كما استأذنت أنت ، فقال له : يا مصطفى أفندي ما دامت هذه النفس وصفاتها فيك لا يفيد لك الكعبة ، ولو اتخذتها حجرة تسكن فيها صباحا ومساء ، فالمرء بإصلاح النفس يستريح لا بغيره ، ولها مكر خفي لا يقف عليه إلا من وقفه الله تعالى.
قال : احمد الله تعالى يا يعقوب دده على أن وفقك لتلاوة كتابه ، وجعل
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
