قال حضرة الشيخ : هذه الكلمات ببالي وقت السّلام الصلاتي ، فأردت أن أخاطبك بها يعني هذا الفقير ثم صرفت العنان إلى الشيخ حسين ، أقول ذلك ؛ لأن الشيخ حسين كان ضجورا متنفرا من أهل بلدته إزميد ، فأراد حضرة الشيخ تربيته بهذه الكلمات فخاطبه ، وكان الشيخ حسين مهموما من حيث إن واحدا من أتباعه كان ذهب إلى مدينة أدرنه لمصلحة له مهمة فعند تكلم الكلمات ورد البشير والورق بأن المصلحة قد تمت ، فاستبشر حضرة الشيخ والحاضرون ، فقرأ حسين أفندي قوله تعالى : (هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل : ٤٠].
وقوله : (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
__________________
ـ ذلك مما يوجب الانتهاء عن التمنى المذكور (وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي : لا تتمنوا ما يختص بغيركم (إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان ، ففضله عن علم وحكمة وتبيان ، وفى الحديث «لن يزال الناس بخير ما تباينوا» أي : تفاوتوا «فإذا تساووا هلكوا» وذلك لاختلال النظام المرتبط بذلك. وقد يقال معناه أنه لا يغتم لتفاوت الناس في المراتب والصنائع بأن يكون مثلا بعضهم أميرا وبعضهم سلطانا وبعضهم وزيرا وبعضهم رئيسا وبعضهم أهل الصنائع لتوقف النظام عليه. واعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية كالذكاء التام والحدس الكامل والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية كالعفة والشجاعة وغير ذلك ، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل فى ذلك مع اللذة والبهجة ، وإما خارجية ككثرة الأولاد الصلحاء وكثرة العشائر وكثرة الأصدقاء والأعوان والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوبا لقلوب الناس حسن الذكر فيهم فهي مجامع السعادات ، والإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها ، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ، ثم يعرض هاهنا حالتان إحداهما أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان ، والأخرى ألا يتمنى ذلك بل يتمنى حصول مثلها له والأول هو الحسد المذموم ، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه ، والإحسان إلى عبيده والجود إليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة ويزيل عن قلبه نور الإيمان وكما أن الحسد سبب الفساد في الدين فكذلك هو سبب الفساد في الدنيا ، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة وينقلب كل ذلك إلى أضدادها فلهذا السبب نهى الله عباده عنه بقوله (وَلا تَتَمَنَّوْا) الآية فلا بد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله تعالى. كما في روح البيان (٢ / ٤٥٣).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
