طلب الابن الكبير لحضرة الشيخ جرموقا جديدا وألح ؛ فقال حضرة الشيخ : إن هذا الإلحاح باطل ، فقال ابنه مشيرا إلى الفقير : إن الحقي يشفع في هذا ، فقال حضرة الشيخ : الحقي منسوب إلى الحق لا إلى الباطل ، فقاموا إلى صلاة العصر.
قال حضرة الشيخ : نسبة الخلوتية إلى «لا إله» ويندرج فيه الإثبات ، ونسبة الجلوتية إلى «إلا الله» ويندرج فيه النفي.
ومعنى الخلوة : ترك ما سوى الله ، ونفيه ، واندرج في النفي الصفات السلبية.
ومعنى الجلوة : التنور بنور الله ، واندرج في إثبات الصفات الثبوتية.
قال حضرة الشيخ مخاطبا لهذا الفقير : قد كتبت حاشية تفسير الفاتحة بخط خفي ، فكيف تقرؤه إذا صرت إلى الشيخوخة؟ قلت : لا احتياج حينئذ إلى القراءة من الكتاب ، قال : تكون أنت كتابا إن شاء الله تعالى ، قال : صلى بنا حضرة الشيخ صلاة المغرب ، وبعد الفراغ منها ومن صلاة الأوابين دعا ، ثم تأوه فقام وخاطبني ، وتلا قوله تعالى : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) [الأنعام : ١٢٥] ، وقال : فليكن نظرك إلى هاهنا ، وأشار إلى الصدر ، ألا ترى إلى قوله تعالى : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) [الشرح : ١ ـ ٢] ثم ذهب إلى جانب الحرم.
أقول : قول الهدائي عامة وخاصة ؛ فالعامة هداية الكافر إلى الإيمان ، والعاصي إلى التوبة ، وهو الإيمان والإسلام الصوري ، والخاصة هداية المؤمن المطيع إلى الإيقان والمشاهدة والعيان ، وهو الإسلام الحقيقي ، يعني : أن الله إذا أراد أن يهدي عبدا من عباده إلى جنابه ؛ يشرح صدره للقبول والتسليم ، ويجعله على صراط مستقيم ، فبذلك الشرح يرتفع عند الانقباض والاعتراض ، فيقبل على الحق بالقبول ، ولا يطرأ له إنكار أصلا فيكمل انقطاعه ، فيتصل بالله تعالى.
قال حضرة الشيخ : الجلوتية ـ بالجيم : ثمرة الخلوتية بالخاء المعجمة ؛ لأن التجلية بعد التخلية ، وكلا الطريقين واحد في الحقيقة إلا أن المقلد كثير ، والمحقق قليل ، قال : لا إلحاد ولا زندقة في طريق حضرة الهدائي ـ قدسسره ـ وقال : إن الوصول إلى الله لا يحصل إلا بالتقلد لمذهب إمام من الأئمة الأربعة فكل ولي لا بد له من التقلد ، قال : إن الشيخ الأكبر وابنه صدر الدين القونوي ـ قدسسرهما ـ أفضل الأولياء ، وكتبهما أدق الكتب ، وقد عرفني الله لسانهما بعد ثلاث وثلاثين سنة.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
