فالأولى : حجب ظلمانية ؛ وهي من المواليد إلى نهاية العالم الطبيعية الذي هو عالم الملكوت العرشية ، وهو إلى غاية الغايات التي لا يجوز كشفها من قبيل الحجب النورانية.
والوجود الإنساني معدن لكل نور ، ومنبع لكل ظلمة ؛ وهو اللوح الأصلي الذي كان اللوح المحفوظ صورته ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن الله تعالى تجلّى بالنور البرقي الشعشعاني ليلة القدر لنبينا صلىاللهعليهوسلم ، واستمرت تلك الحالة في وجوده إلى ست شوال ، فألحق صومها بصوم رمضان ، فلمّا كان ظهور تلك الليلة في ما قبلها وما بعدها ، والمجموع ست وثلاثون ؛ كان صومها ؛ كصيام الدهر ؛ وهو صيام العمر كله ؛ لسرّ السرّ البائن المذكور.
فإن قلت : بالسريان والمستقبل لم يوجد بعد ، والماضي قد مضى ؛ قلت : لاتصال أجزاء الحال بأجزاء المستقبل والماضي ؛ فكان الكل بمنزلة زمان واحد ، ونظيره قوله : «من مات ؛ فقد قامت قيامته» (١).
فإن أجزاء زمان الموت لمّا كانت متصلة بأجزاء زمان البرزخ ، وهي بأجزاء زمان الحشر ؛ كان الميت كأنه قامت قيامته على أن الماضي والحال والاستقبال اعتبارية عند العارفين ، فإنهم لا يدرون الليل والنهار ؛ بل هم الآن في عالم الأزل الذي لا نور هناك ، ولا ظلمة ؛ لأن النور من خواص الأجسام الكونية ؛ وهم خارجون عن هذا العلم ؛ بل عن عالم الأرواح ، داخلون في عالم غيب الغيب الذي لا ليل فيه ولا نهار.
فإن قلت : هب إن من كان من أهل ذلك التجلّي ؛ كان صيامه كصيام الدهر ، وأمّا من لم يكن من أهله ؛ فكان أمره التقليد ، والتقليد لا يوصله إلى ما شاء والتحقيق ، قلت : إن فيه سرّ المتابعة والتشبّه ، وقد ورد إن : «من تشبّه بقوم ؛ فهو منهم» (٢) ، فهذا من طريق الإلحاق لا بالأصالة.
وقد قال تعالى : (أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور : ٢١].
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه أبو داود (٤ / ٤٤) ، وأحمد (٢ / ٥٠).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
