اليمن» (١) ؛ لأن النفس الرحماني ؛ هو التجلّي الساري في جميع الموجودات ، وهو أحدي لا كثرة فيه بالفعل ؛ لأن الأحد الواحد الصمد يأبى أن يكون تجلّيه على حدّ الكثرة ، والكثرة في التجلّي اعتبارية بحسب المجالي والقوابل ، لا حقيقة ، وإلا يلزم أن يكون الحق تعالى محلّ الكثرة سبحانه هو هو على وحدته ووجوبه ، والأشياء أشياء على كثرتها وإمكانها.
فإن قلت : قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال : ٦٢].
يدلّ على الكثرة في النفس الرحماني والتجلّي الإلهي ، فإن المراد بالمؤمنين ؛ هم الأنصار اليمنيون ، وقد أيّد الله تعالى بهم حبيبه صلىاللهعليهوسلم.
ولا شك أن التأييد بالجموع إنما هو من شأن الواحدية التي مبدأ الكثرة.
قلت : جوابه مفهوم مما ذكر آنفا ، وهو أنهم وإن كانوا أكثرين ، فالتجلّي لهم واحد فظهر أن التجلّي الواحد ينبسط في مراء مختلفة حقيقة ، ويتفضّل في مكان واحد ؛ هو اليمن باعتبار المتمكنين ، فإن قلت : إن المدينة المنورة لدلالتها على مقام البقاء ؛ هي محلّ الكون لا الشام ؛ قلت : نعم ؛ لكن لمّا كان اتصالها بمكة المكرمة أشدّ ؛ جعلت في حكمها ؛ كأنها أيضا واد غير ذي زرع ، وأرض قفر لا ماء فيها ولا كلأ نحو مقام الأحدية الذاتية.
ولذا قلنا : إن الشام محلّ الكثرات ، وكذا ما دونها من بلاد العرب والروم ونحوها ، وفيها سرّ المحفل الحنفي في حرم الله تعالى ، فلينظر العارف لنفسه حرما آمنا ، وذلك بنظر الله تعالى لا بنظر نفسه ، فمن كان من أهل البقاء ، وأهل الدعوة والتبليغ ؛ فالأداني والأقاصي له سواء ، هذا والله يفعل ما يشاء.
__________________
(١) رواه الطبراني في مسند الشاميين (٢ / ١٤٩) ، وذكره العجلوني في الخفا (١ / ٢٥١).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
