لي ، وأنا واقف في عرفات شكلان.
فقلت : ما هذا؟ فقيل : إنه خمسون ، فقد غفر الله لك ما تقدّم منك منذ خمسين سنة ، وقد كنت إذ ذاك ابن خمسين ، ووقع الهجرة إلى الشام بالإذن السماوي العيني ، وأنا ابن سبع وستين ، فلله الحمد على سير الحضرات صورة ومعنى ، والوصول إلى المقامات العالية ظاهرا وباطنا.
وكان قائدي وسائقي في هذا السفر الشامي : حضرة الشيخ الأكبر ، والمسك الأزفر ، والكبريت الأحمر قدسسره الأظهر ، ولمّا زرت قبره المنيف ، قلت : يا حق ، فقيل لي : أنت الحق ، وسرّ سرّي ، والحمد لله على أن جعلني من أولاده المعنوية ، وساقني إلى جواره في الأرض المقدّسة الشامية.
وحين زرت قبر حضرة الشيخ صدر الدين ـ قدسسره ـ في بلدة قونية ، وهو ربيب حضرة الشيخ محيي الدين ، ووارث علومه ، وناقله في كلماته ، ظهر لي في لوح قبره نقش : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص : ١ ، ٢] ؛ إشارة إلى سرّ الأحدية في الفناء الذاتي ، وسرّ الواحدية في البقاء الصفاتي وهو الذي يليق بمقام الكمّل ؛ لأنهم أهل التبليغ والإرشاد ، ولن يقوم ذلك لهم إلا بما ذكر من الفناء والبقاء ؛ وهو الإرشاد من الحق إلى الحق ، ومن اسم إلى اسم ، كما يقتضيه السفر المعنوي ، وإلا فالمبدأ والمنتهى واحد.
ولذا قيل : لا موجود إلا الله ، وليس في الدار سوى الله ؛ وهي إشارة إلى وحدة الوجود ، وقلّ من نال إلى معرفتها وذوقها وشهودها ، حتى طعنوا في القائل بها ، ونسبوه إلى مذهب الوجودية.
وفرق بين الوجود بشرط لا شيء ، والوجود لا بشرط شيء فهو الله تعالى مطلق بالإطلاق الذاتي الحقيقي الذي ليس في مقابلة شيء من التقييدات لا بالإطلاق العارضي إلا أنها في الذي في مقابلة التقييد ، فإنه جاءت اعتبارية تنزّهه تعالى عن مثل ذلك الإطلاق ، وجلة الوجود وجود ظلّي ناظر إلى الوجود الحقيقي ؛ كوجود الأنوار النّيرة المستفادة من نور الشمس ، فإنه ناظر إليه ، ومنعكس منه ؛ ولذا قيل : لم ينقل الأحيان الثابتة ، والوجود الحقيقي على حاله الآن ، فسبحان من ظاهر وباطن ، لم يره أحد بهذه العيون ؛ وإنما رآه البصائر من مرائي شواهده.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
