لأنها بيوت شيطانية متلوثة بألواث الزوائل ، وبيوت نفسانية متنجّسة بنجاسات القبائح ؛ فالأصل إذا كان طيب ؛ لا يثمر إلا الطيب ، وكذا إذا كان خبثا ؛ فلا يظهر منه إلا الخبيث.
ألا ترى إلى النفقة التي توضع في الطين ؛ فإنه ليس لها فائدة من الطين الطبيعة ، وما كان من مقام الطبيعة ؛ فلا يتجاوز إلى مقام القلب والروح ؛ الذي هو السماء العلوي المعنوي ، فبين السماء والأرض بون بعيد ؛ إلا أن يكون بينهما علاقة روحانية ، فإن تلك العلاقة تجرّ العمل من الحضيض الأسفل ، وترفعه إلى الأوج الأعلى.
قوله صلىاللهعليهوسلم : «كانت خطوتاه أحدهما : تحط خطيئة ، والأخرى : ترفع درجة» (١) ؛ إشارة إلى خطوتي الجسد والروح ، فالخطيئة المضافة إلى الجسد منكرات الشريعة ، فبالحركة الجسدية تنمحي تلك المنكرات ؛ لأن أعمال الشريعة مضافة إلى الجسد ، والدرجة المضافة إلى الروح مستحسنات الحقيقة ، فبالنيّة الروحانية ؛ ثبت تلك الحسنات ؛ لأن أعمال الحقيقة مضافة إلى الروح.
والحاصل : إن الخطيئة المخطوطة سبب خطها عن الجسد وحركته ؛ لأن الجسد منبعها ، والدرجة المرفوعة سبب رفعها عمل الروح وحركته ؛ لأن الروح مبدؤها ، فالخطوة الظاهرة تحطّ ما يناسبها ، وكذا الخطوة الباطنة ترفع منا يناسبها ، كل يعمل على شاكلته.
فمن أراد أن يتطهّر من الألواث ؛ فليكن على حسن النية أولا ، وعلى عمل الشريعة ثانيا ، فحسن النيّة يجر العمل الشرعي إلى مقام القبول ، وعنده الوصول ، ومن عمل بما علم : أي بشرط حسن النيّة ؛ ورّثه الله علم ما لم يعلم ؛ وهو علم اللدني ؛ لأنه نتيجة ذلك ، فلا بد لتحصيل هذا العلم العزيز من تقوى ، وسلوك ، وعمل صالح.
وفي الحديث إشارة أخرى وهي أن بيوت الله هي قلوب أوليائه ؛ لأنها مسكن الأنوار ، ومقر الأسرار ، وزيارتهم ، والدخول في قلوبهم ، وخدماتهم من كل وجد حق
__________________
(١) رواه مسلم (١ / ٤٦٢) ، وابن ماجه (١ / ٤٥٣).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
