بل غشيان هو في حكم الموت له ، ومن هنا لم يقبل نشأته الجزاء ؛ لأنه مطبوع من النور ، وتكليف من قبيل العبادة الذاتية ، كما أن أهل الجنة في الجنة ، فهو على حد سواء في النشأتين بحسب نورانيته فلا جسد له كشف حتى يتمتع بنعيم الجنة الصورية ، ولا كمال له روحاني بحسب التكليف البشري حتى يتمتع بنعيم الجنة المعنوية ، نعم له لقاء وشهود دون لقاء البشر وشهوده.
وأمّا حياة البشر ، وحياة الحيوان : فداخلة تحت الطبيعة الجزئية ، والله تعالى خالق الكليّات والجزئيات ، ومتجمّل بصورها من حيث إنه المصوّر ؛ لكنه ليس من جنس شيء من الأشياء ، فلا نوم له ، ولا سنة ؛ لأنها من الأحوال العارضة لمن يقبل ذلك.
ولمّا كان من الحكمة العليّة والإلهية : أن يخلق مظهرا تاما من شأنه أن يظهر بكل صفة من الصفات الإلهية ؛ خلق النور المحمّدي ، والجسد الأحمدي ؛ فجعله بحيث إذا نام عيناه الظاهرتان ؛ لم ينم عينا قلبه ، كما هو أخبر به عن نفسه ، فهو أيضا لا تأخذه سنة ولا نوم في الحقيقة ، وإنما أخذه النوم والسنة في الظاهر بحسب حسّه وبشريته ، فذلك النوم إنما هو نازل في الخيال لا في القلب.
أمّا الأول : فليشهد بعين الخيال عالم المثال الذي هو من الحضرات الخمس ، وهو عين الحق أيضا في مرتبة الخيال والمثال.
وأمّا الثاني : فلأن القلب في الحقيقة من المجرّدات ، وإنما جعله الله في الإنسان يشهد به الله تعالى في الحضرة المخصوصة الغيبية ، وليشهد حقائق ملكوته في جميع الحضرات ، فكان صلىاللهعليهوسلم حقّا في جميع الحضرات ، وخلقا في حضرة الجبروت والملكوت ، والشهادة المطلقة ، والحضرة الناسوتية الإنسانية دون الحضرة اللاهوتية ، فإنها من عالم الوجوب والحق ، لا من عالم الحدوث والإمكان ، والخلق.
فإن قلت : هل في العالم من هو على صفة فيما ذكر؟
قلت : لو كان لكان دونه لا مثله ؛ لأنه (ليس كمثله شيء) فاعرف.
فإن الكاف ليست بزائدة على هذا التقدير ، والله تعالى وإن لم يكن له مثل في الحقيقة ؛ لكنه لمّا خلق آدم على صورته ؛ كان آدم مثلا له صورة من حيث ظهوره
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
