وإلا فالله تعالى كان محيطا لا محاطا.
وقد قال الله تعالى : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) [البقرة : ٢٥٥] وهو الذي يحصل لقلوبهم بالتجليّات الأفعالية والصفاتية والذاتية.
وقال الله أيضا : (فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الجن : ٢٦ ، ٢٧]. وكذا الولي الوارث تراه مرتضى مصطفى من بين العباد ، مختصا بالرحمة الخاصة من عند الله تعالى ، فمن طلب الحق تعالى وأسراره ؛ فليجده في قلب عبده المضاف إلى هويته المطلقة ، فإنه يجده هنالك على وجه التمام والكمال ، لزيادة قابلية المظهر ، وسعة قلبه ، فعلوم المعلومات التي تجلّى بها الحق تعالى خلقا وأمرا ؛ حاصلة لقلوب الكمّل إلا ما استأثر به في غيبه ؛ وهي الممتنعات ، وإلا لأبرزها الحق تعالى أيضا ، فهي بالنسبة إلينا ممتنعة ، وما عداها ممكنة ، ومن ثم قالوا : ليس في علم الله إلا الواجب والمستحيل.
وإنما الإمكان بالنسبة إلى الممكن ، وفيه شائبة الإيجاب على ما ذهب إليه الفلاسفة ؛ لكن ذلك لا ينافي الاختيار.
كما قال تعالى : (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) [النحل : ٩].
أي : لو شاء هدايتكم ؛ لهداكم أجمعين ؛ لكنه لو يشاء ذلك ؛ بل إخبار عدم هداية البعض ، وأوجبه على نفسه لما يقتضيه استعداده الغير المجعول ، كما كتب على نفسه الرحمة في حق من شاء من عباده لما يستدعيه استعداده الغير المجعول أيضا ؛ فهو إيجاب ذاتي رحمة ، أو غضبا تابع للاستعدادات ، والله تعالى هو الخلّاق ، فإذا وقفت على هذا المعنى فقد أحطتّ بعزيز الأسرار خبرا ، والله العليم.
قال الله سبحانه وتعالى : (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) [البقرة : ٢٥٥].
لأن ذلك من الغفلة الطارئة من حكم الطبع الحيواني ، والله تعالى حيّ بحياة ذاتية أصلية ليست من جنس الحياة الطبيعية الملكية ، ولا من جنس الحياة الطبيعية البشرية ، ولا من جنس الحياة الطبيعية الحيوانية.
فإن هذه الحياة بأنواعها داخلة تحت الطبيعة مطلقا ، أمّا حياة الملك فداخلة تحت الطبيعة الكلية ؛ ولذا كانت حياته نورانية ، ولم يطرأ على حياته موت حيواني ؛
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
