والبحري منه : يكون أبيض مرّا ؛ فإن المرّ فيه الشفاء ، ففيه ما لا يخفى من المنافع التي لا تحصل بالحجامة.
وفي الحجامة : أي إزالة الشهوات من الطبائع والنفوس ؛ لأنه كما أن الدم سائر في العروق ، وبسريانه فيها يسري في أجزاء البدن كلها.
فكذا الشهوات سارية في الطبائع والنفوس وعلاجها إصلاح الطبيعة بالشريعة ، ومنها الصوم ، وتقليل الغذاء ، وأكل الحلال ، وترك الطيبات ، والسهر ونحو ذلك.
وفي القسط البحري : إشارة على التأوّه ، والزفرات ، والشهقات الحاصلة للروح الذي هو من البدن ؛ كالبحر من البر ، وذلك أنه تبخر به النفساء ، والصبيان ؛ فيحصل لهم من دخّانه منافع ظاهرة وباطنة.
والروح إذا لم يتخلّص من حكم البدن بالكلية ، وقهره بعض الانفعالات الحاصلة من الأسباب الخارجة ، أو السماوية لا بد إذا أن يتأوّه دفعا للانقباض ، وجلبا للانبساط ، وفي التأوّه بخارات نفسية لها آثار نفسية ؛ ولذا كان إبراهيم الخليل عليهالسلام أوّابا : أي كثير التأوّه.
ولمّا كان التمكين التام غالبا لحضرة نبينا صلىاللهعليهوسلم ، كان حزنه الدائم الطويل في حكم التأوّه ، فإنه كان طويل الحزن دائم الفكر ، وإن كان عند الخلق ، ومحافل الناس بشوشا مبتسما ، فإن ذلك لا يقدح في حال باطنه ، وحكم خلوته.
فالسالك إذا عالج طبعه بإزالة الشهوات التي هي في حكم الحجامة ، وروحه بالتأوّه ، والصحيح العاري عن التعمّل ؛ كان مرضه النفساني الروحاني زائلا بالكلية كما دلّ عليه صيغة التفضيل في الحديث.
وتأخيره عن الحجامة إشارة إلى أنه مبني على إصلاح الطبع بناء الفرع على الأصل ؛ لأنه إذا صلح الطبع ؛ صحّ الروح ، فكان ما صدر عنه سالما عن الأغراض.
وترى أهل الطبائع في هذا الزمان يتأوّهون في مجالس الذكر ، ويزفرون ، ويشهقون ، ثم هم كالحمير في زفراتها وشهقاتها ؛ لأن كل ذلك مبني على الشهوة الطبيعية ، والله تعالى يحاسب عبده من حيث الاسم العدل على كل ما صدر عنه إذا كان غير حاضر مع سيده وربه ؛ بل كان باقيا بطبعه ونفسه.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
