وفي الخبر : «فيقولون : يا ربّ وأي شيء أفضل من ذلك؟» : إذ ليس فوق نعيمهم نعيم بالنظر إلى تجليّات الأفعال.
فيقول : «أحلّ عليكم رضواني» : أي أنزل عليكم قلوبا ، وأجسادا برضاي الكثير ؛ فإن الرضا الحاصل الآن رضا قليل يحتمل الزوال والدوام.
ولذا قال : «فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (١) : وفيه دلالة على أن السعادات الروحانية أفضل من الجسمانية ، وأن كلا من السعادتين لا تكمّل إلا بالرضا ؛ ولذا لم يعتبر نعيم الكفرة والفجرة ، وكذا أذواق الرهابنة والفلاسفة ، ومن يتلوهم من أهل الرياضة ، وأن آخر التجليّات الصفاتية الذاتية تجلي صفة الرضا.
ومن آثاره : صفاء القلوب على كل حال.
وأمّا الأبدان : فلا تزال تبتلى إلى آخر الأجل ، كما أن آخر التجليّات الأفعالية تجلي التوكّل.
ومن نتائجه : نزول المائدة من السماء وقت الضرورة إلى الغذاء ، كما وقع لمن جال في البراري ، والصحاري وقع في المغارات والكهوف سنين.
وفيه إشارة أيضا إلى أن آخر شيء ناله الممكن : مرتبة السماع ، فإنه ختم أمر أهل الجنة بالسماع ، كما بدئ أول الأمر أيضا ؛ لأنه تعالى قال : (كن) فسمعه الممكن ، فكان كما ذهب إليه أهل الحقائق ، وبعض من أهل الظاهر.
وكذا آخر الأمر في حقّ الكفار ، فإنه تعالى يقول : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون : ١٠٨] ، وهذا بالنسبة إلى العباد.
وأمّا بالنسبة إلى الله تعالى : فآخرا لكمال الكلام ، وبه ينختم أمر الأنام.
وأمّا الرؤية (٢) : فليس من قبيل الكلام والسماع ؛ بل هي من قبيل المشاهدات
__________________
(١) رواه البخاري (٦ / ٢٧٣٢) ، ومسلم (٤ / ٢١٧٦).
(٢) اعلم أن الرؤية على ثلاثة أقسام : أحدها : الرؤية الذاتية وهي شهود الحق في كماله الذاتي وغناه الذاتي ذاته بذاته رؤية ذاتية غير زائدة على ذاته وشهود أسمائه وصفاته ونعوته وتجلياته في قبضة قهر الأحدية رؤية ذاتية أيضا.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
