قال صلىاللهعليهوسلم : «توجد من مسيرة أربعين عاما» (١) ؛ المراد التكثير بالاعتبار الظاهر في لا التحديد ، فإن تجليّات الله تعالى لا حائل لها ، وإنما عدم ظهورها من جانب المحجوبين عن حقائق الحواس ، وقد وقع للأنبياء والأصفياء إنهم كانوا يستشمّون وهم في الأرض روائح الجنان ؛ وهي في أعلى السموات السبع مع ما بينهما ألوف من السنين من جهة المسافات فاعرف هذا ، واتّهم نفسك المحجوبة في عدم الإدراك.
وقد كان صلىاللهعليهوسلم برهانا من الله تعالى : أي كل جزء من أجزائه الداخلة والخارجة ؛ لما فيه من الخوارق الخارجة عن غيره.
وفي الحديث : إشارة إلى أن النفس إذا أسلمت ، وأصلحت حالها بما تعطيه من الطاعة والانقياد ، وكالذّمي فلا تقتل مرة أخرى بإفنائها بالمرة ، والألم يرح صاحبها ، وريح الجنة المعنوية التي هي جنة القلب ، فإن استشمام ريحتها إنما هو مع بقاء النفس في الجملة : أي بأصلها وذاتها لا بفرعها وصفاتها.
وريح هذه الجنة المغبوطة عند أهل التذكية توجد من مسيرة أربعين عاما ؛ لأنه لا يحصل كمال التزكية إلا في أربعين عاما من أدلّ السلوك ؛ بل من ابتداء الكشف ، والدخول في حضرات الأسماء ؛ بمعاينة حقائقها ، ومشاهدة ملكوتها ، فإذا تمّت الأربعون ؛ فالرفق بالنفس ؛ لأنها المطيّة أبدا ، فمن أراد الإنسلاخ الكلي ؛ فالذوق لا يوجد في الفناء الكلي ، ومنه الاستشمام بكذا ذاقوا ، واستشموا في الكشّاف.
٣٤ ـ في آخر سورة البقرة : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنزل الله آيتين هما : قوله عزوجل : (آمَنَ الرَّسُولُ) [البقرة : ٢٨٥] إلى آخر السورة» (٢) ، وأنزلهما ليلة المعراج بلا واسطة الملك.
وكل وحيّ يعتبر فيه النزول من العلو على الوجه العام إلا هاتان الآيتان ونحوهما ؛ فإن نزولهما وإن كان يعتبر فيه العلو المعنوي ؛ لكنه من الوجه الخاص لا من الوجه العام ؛ والمراد بالوجه الخاص ما لم يكن بواسطة الملك ، كما أن الوجه العام هو ما كان بوساطته.
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الترمذي (٥ / ٢٢١).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
