حجاب الإله والنور ، فكما أن عالم الحدوث يشتمل الحجب العائقة للسالك عن الترقّي إلى عالم الإله ؛ فكذا عالم القدم يشتمل الحجب المانعة له عن الصعود إلى عالم إله الألهة ، فقد يحتجب بالظلمة ، وقد يحتجب بالنور ، فمن توقف في مرتبة من مراتب الكون أو مراتب الإله ؛ كان ناقصا غير واصل إلى أعلى المطالب.
ثم إن هذا الكفر وهو الكفر بما سوى الله تعالى ؛ هو الإيمان الحقيقي دلّ عليه قوله تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) [البقرة : ٢٥٦] ، وقدّم الكفر بالطاغوت ؛ لأنه من باب التخلية ؛ وهو أساس الإيمان ، فإن الإيمان بالله قبل الكفر بالطاغوت لا يعتدّ به أصلا ، وقول من قال : إن جنة الفردوس للكافر إشارة إلى ما ذكرنا من الكافر الحقيقي ، وهذا الكفر لا يناله إلا الكمّل من أولياء الله ، ولم يكن إيمان مثل إيمانهم.
فيا أصحاب السلوك قوموا إلى منزل المنازل ، ولا تحتجبوا بشيء مما سوى الله ، فإنه عائق الطريق ، ومانع التوفيق ، حرّم ماله ، ودمه ظاهره وباطنه على الخلق ، وعلى النار ، وعلى الأرض ؛ فلا يتعرض له بسوء ؛ بل يتبرّك به ، وبملابسته ولا يحرقه النار ؛ لأنه النور ، ولا تأكله الأرض ؛ لأنه الروح.
وفيه إشارة إلى حرمة الإيمان الذي يحصل بالقرآن ، والقرآن إذ جعل في أهاب ما مسّته النار ، وما في حكمها ، وحسابه على الله : أي حساب سرّه ؛ وهو أن يرزق بغير حساب ، كما هو شأن أهل الجنة المعنوية ؛ إذ هم السلاطين تحت الأطمار ، ولا شك أن السلاطين أغنى الناس.
٣٣ ـ في البخاري : «من قتل معاهدا» (١) :
: أي بعدما قتله سيف الذمة والجزية ، قال : «لم يرح رائحة الجنة» (٢) ، كما لو قتل غير المعاهد ، فإن القتل عند الله عظيم ؛ ولذا كان هو نفسه ديّة من قتل فأعرف.
قال صلىاللهعليهوسلم : «وإن ريحها» (٣) : أي نسيمها الفاشي.
__________________
(١) رواه البخاري (٣ / ١٥٥٥) ، والبيهقي في الكبرى (٨ / ١٣٣).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
