(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [النساء : ١٥٠ ، ١٥١].
فإن المقصود من هذه الآية : إن الإيمان ببعض الأنبياء ، والكفر ببعضهم ؛ كالكفر بالأنبياء كلهم ، والكفر بالأنبياء كفر بالله تعالى ؛ لأن الأنبياء مبلّغون عن الله تعالى ، ومساوون في النبوة والمعجزة ، فمن استهان بهم ؛ فقد استهان بالذي أرسلهم إلى الناس.
ألا ترى أن من أزور واسطة السلطان في عرض الأمور ؛ فقد أزور السلطان ، فلا يغتر المؤمن بالله بإيمانه تعالى مع كفره برسول من رسله ؛ فإنه لا يقبله الله تعالى ، فإن الإيمان أمر أحدي لا يقبل التجزيء والتفرّق.
فالأمر إمّا إيمان ، وإمّا كفر ، كما أن الإيمان بالأولياء أيضا كذلك ، وأعني بالأولياء الكمّل منهم ؛ وهم أعلى المقرّبين ، وأمّا من دونهم ، فقد تختلف كشوفهم وكلماتهم (١) فيعرض المتعرّض لهم ، وذلك لا يقدح في إثبات ولايتهم في نفس الأمر ،
__________________
(١) قال الشيخ ابن ناصر في سبب الاختلافات الواقعة في الكشوف والأذواق :
اعلم أن سبب الاختلافات التي وقعت في الكشوف والأذواق حتى طعنوا فيهم وقالوا : لو كان كشفا صريحا وعلما صحيحا لما وقع الاختلاف بينهم ، فحملوا مسائلهم الكشفية على المسائل النظرية الفكرية التي هي تخطئ وتصيب ، هو عدم الاستشراق على أمهات الحقائق وأصول المقامات ، بل يتكلمون على تفاصيل منتقلين من بعض الفروع إلى بعض آخر ، فلذلك يقع الخلاف بينهم ويرد النقض عليهم ، ويبدوا حكم الحيرة فيهم عند المحاققة ، كما يقع بين المتوسطين وأهل البدايات من أهل الله أصحاب المكاشفات الظاهرة ، الذين تبرز لهم الحقائق والحضرات وغيرهما ، مما لا يدرك إلا كشفا ، ولكن بحكم الطبيعة فإن لها حكما عليهم ما داموا في ربقة الطبيعة ، فتختلف الكشوف باختلاف الطبائع فيخطئ ويصيب ، بل الكشف لا يخطئ أبدا ، فإن المتكلم في مدلوله يخطئ ويصيب كالرؤيا ، فإن كشفه صحيح فما يقع من الغلط إلا في التعبير.
ذكره رضي الله عنه في باب إحدى وثلاثمائة من «الفتوحات» بخلاف المتمكنين من أهل الله رضي الله عنهم في علمهم الموهوب ، وكشفهم التام المطلوب ، يعرفون غاية ما أدرك كل بفكره ، واطّلع بحسبه ونظره ، ويعرفون سبب تخطّيه الناظرين بعضهم بعضا ، وما الذي أدركوه وأصيبوا ما الذي فالذي
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
