قلت : دفع العسر يمكن بالعمل ببعضها ، فما المعمّم؟ فيرجع الأمر إلى أنّ قاعدة الاشتغال لا تنفع ولا تثمر في الظنون المخالفة للاحتياط ؛ لأنّك عرفت أنّه لا يثبت وجوب التسرّي إليها فضلا عن التعميم فيها ؛ لأنّ التسرّي إليها كان للزوم العسر ، فافهم.
هذا كلّه على تقدير تقرير مقدّمات دليل الانسداد على وجه يكشف عن حكم الشارع بوجوب العمل بالظنّ في الجملة ، وقد عرفت أنّ التحقيق خلاف هذا التقرير ، وعرفت أيضا ما ينبغي سلوكه على تقدير تماميّته من وجوب اعتبار المتيقّن ـ حقيقة أو بالإضافة ـ ثمّ ملاحظة مظنون الاعتبار بالتفصيل الذي تقدّم في آخر المعمّم الأوّل من المعمّمات الثلاثة.
وأمّا على تقدير تقريرها على وجه يوجب حكومة العقل بوجوب الإطاعة الظنّية والفرار عن المخالفة الظنّية وأنّه يقبح من الشارع تعالى إرادة أزيد من ذلك كما يقبح من المكلّف الاكتفاء بما دون ذلك ، فالتعميم وعدمه لا يتصوّر بالنسبة إلى الأسباب ؛ لاستقلال العقل بعدم الفرق فيما إذا كان المقصود الانكشاف الظنّي بين الأسباب المحصّلة له ، كما لا فرق فيما كان المقصود الانكشاف الجزمي بين أسبابه ، وإنّما يتصوّر من حيث مرتبة الظنّ ووجوب الاقتصار على الظنّ القويّ الذي يرتفع معه التحيّر عرفا. بيان ذلك أنّ الثابت من مقدّمتي بقاء التكليف وعدم التمكّن من العلم التفصيلي هو وجوب الامتثال الإجمالي بالاحتياط في إتيان كلّ ما يحتمل الوجوب وترك كلّ ما يحتمل الحرمة ، لكنّ المقدّمة الثالثة النافية للاحتياط إنّما أبطلت وجوبه على وجه الموجبة الكلّية بأن يحتاط في كلّ واقعة قابلة للاحتياط أو يرجع إلى الأصل كذلك ، ومن المعلوم أنّ إبطال الموجبة الكلّية لا يستلزم صدق السالبة الكلّية ، وحينئذ فلا يثبت من ذلك إلّا وجوب العمل بالظنّ على خلاف الاحتياط والاصول في الجملة.
ثمّ إنّ العقل حاكم بأنّ الظنّ القويّ الاطمئناني أقرب إلى العلم عند تعذّره ، وأنّه إذا لم يمكن القطع بإطاعة مراد الشارع وترك ما يكرهه وجب تحصيل ذلك بالظنّ (٩٢٩)
______________________________________________________
٩٢٩. لا يخفى أنّ هذا إنّما يتمّ إذا ارتفع العسر بالعمل بالظنّ الاطمئناني النافي للتكليف. وربّما ينافره ـ بل ينافيه ـ ما تقدّم من المصنّف رحمهالله عند الاعتراض
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
