المذكور ، والحاصل من تلك الأمارات الظنّية هو ترجيح بعض الظنون على البعض ، فيمنع ذلك من إرجاع القضيّة المهملة إلى الكلّية ، بل يقتصر في مفاد القضيّة المهملة على تلك الجملة ، فالظنّ المفروض إنّما يبعث على صرف مفاد الدليل المذكور إلى ذلك وعدم صرفه إلى سائر الظنون نظرا إلى حصول القوّة بالنسبة إليها ؛ لانضمام الظنّ بحجّيتها إلى الظنّ بالواقع. فإذا قطع العقل بحجّية الظنّ بالقضيّة المهملة ثمّ وجد الحجّية متساوية بالنظر إلى الجميع ، حكم بحجّية الكلّ ، وأمّا إذا وجدها مختلفة وكان جملة منها أقرب إلى الحجّية من الباقي ـ نظرا إلى الظنّ بحجّيتها دون الباقي ـ فلا محالة يقدّم المظنون على المشكوك والمشكوك على الموهوم في مقام الحيرة والجهالة ، فليس الظنّ مثبتا لحجّية ذلك الظنّ ، وإنّما هو قاض بتقديم جانب الحجّية في تلك الظنون ، فينصرف إليه ما قضى به الدليل المذكور.
ثمّ اعترض على نفسه بأنّ صرف الدليل إليها إن كان على وجه اليقين تمّ ما ذكر ، وإلّا كان اتّكالا على الظنّ. والحاصل أنّه لا قطع لصرف الدليل إلى تلك الظنون. ثمّ أجاب : بأنّ الاتكال ليس على الظنّ الحاصل بحجّيتها ولا على الظنّ بترجيح تلك الظنون على غيرها ، بل التعويل على القطع بالترجيح (٩٠١).
وتوضيحه : أنّ قضيّة دليل الانسداد حجّية الظنّ على سبيل الإهمال ، فيدور الأمر بين القول بحجّية الجميع والبعض ، ثمّ الأمر في البعض يدور بين المظنون وغيره ، وقضيّة العقل في الدوران بين الكلّ والبعض هو الاقتصار على البعض أخذا بالمتيقّن ؛ ولذا قال علماء الميزان : إنّ المهملة في قوّة الجزئيّة. ولو لم يتعيّن البعض في المقام ودارت الحجّية بينه وبين سائر الأبعاض من غير تفاوت في نظر العقل ، لزم الحكم بحجّية الكل ؛ لبطلان الترجيح من غير مرجّح.
وأمّا لو كانت حجّية البعض ـ مما فيه الكفاية ـ مظنونة بخصوصه بخلاف الباقي ، كان ذلك أقرب إلى الحجّية من غيره ممّا لم يقم على حجّيته دليل ، فيتعيّن عند العقل الأخذ به دون غيره ؛ فإنّ الرجحان حينئذ قطعي وجداني ، والترجيح من جهته
______________________________________________________
٩٠١. لأنّ ظنّية المرجّح لا تنافي قطعيّة الترجيح.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
