وتوهّم : أنّه يلزم على هذا (٨٧٤) انفكاك حكم العقل عن حكم الشرع ، مدفوع بما قرّرنا في محلّه من أنّ التلازم بين الحكمين إنّما هو مع قابلية المورد لهما ، أمّا
______________________________________________________
البراءة في كلّ واقعة ، أو الاحتياط كذلك ، أو بالاصول الجارية في مواردها ، أو بالتقليد للقائل بالانفتاح ، أو بالقرعة أو نحوها ، أو الاقتصار بالامتثال الاحتمالي ، أو العمل بالظنّ ، فبعد إبطال ما عدا الأخير فالعقل إمّا أن يكشف عن جعل الشارع للظنّ حجّة شرعيّة يجب اتّباعه ، وإن احتمل مخالفته للواقع. وإمّا أن يستقلّ بنفسه للحكم بجواز الاقتصار عليه في مقام امتثال الأحكام الشرعيّة ، فيكون المنشئ لحجّيته حينئذ هو العقل دون الشرع. وهذا هو الأقرب ، لكون الظنّ عند العقل بعد ملاحظة المقدّمات المذكورة كالعلم طريقا لامتثال الأحكام المظنونة ، فكما أنّ العلم طريق بنفسه لامتثال الأحكام المعلومة غير محتاج إلى جعل الشارع ، بل غير قابل له ، كذلك الظنّ في مفروض المقام. هذا ، مضافا إلى ما أورده المصنّف رحمهالله على القول بالكشف من الوجه.
٨٧٤. لما عرفت في الحاشية السابقة من كون حجّية الظنّ على القول بالحكومة عقليّة لا شرعيّة ، وهو مناف للملازمة المعلومة عندهم من أنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع أيضا. والجواب عنه من وجهين :
أحدهما : ما ذكره المصنّف رحمهالله من أنّ مورد الملازمة المذكورة إنّما هو حيث كان المحلّ قابلا لورود كلّ من حكم العقل والشرع عليه ، وليس ما نحن فيه كذلك ، إذ الإطاعة والمعصية ليستا قابلتين لورود حكم الشرع عليهما ، إذ لو توقّف وجوب الإطاعة على ورود أمر من الشارع به توقّف وجوب إطاعة هذا الأمر أيضا على أمر آخر وهكذا ، فإن عاد لزم الدور ، وإلّا لزم التسلسل. فوجوب امتثال الأوامر المظنونة في محلّ الفرض كالمعلومة منها ليس بقابل لجعل الشارع. وما ترى من أمر الشارع بالإطاعة ونهيه عن المعصية فهما ليسا على سبيل الإلزام ، بل على سبيل الإرشاد الذي لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب سوى ما يترتّب على نفس الإطاعة والمعصية.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
