والجواب عن هذا الوجه : أنّ أدلّة نفي العسر ـ سيّما البالغ منه حدّ اختلال النظام والإضرار بامور المعاش والمعاد ـ لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا إلى الشارع وهو الذي اريد بقولهم عليهمالسلام : «ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر» وبين ما يكون مسندا إلى غيره. ووجوب صوم الدهر على ناذره إذا كان فيه مشقّة لا يتحمّل عادة ممنوع. وكذا أمثالها من المشي إلى بيت الله جلّ ذكره وإحياء الليالي وغيرهما ، مع إمكان أن يقال : بأنّ ما ألزمه المكلّف على نفسه من المشاقّ
______________________________________________________
الصوم في كلّ يوم. وحينئذ يشكل الأمر فيما يستلزم الاختلال أو الأمر بالضدّين ، إلّا أنّا نقول : لا بدّ حينئذ من التصرّف في هذه الأوامر بحملها على ما لا يوجب أحد الأمرين ، إمّا بحملها على الإرشاد إلى كون الأفعال التي تعلّقت بها هذه الأوامر حسنة في نفسها ، فيدخل هذا القسم حينئذ في القسم الأوّل الذي عرفت عدم استلزامه الأمر بما يوجب الاختلال أو الأمر بالضدين. وإمّا بحمله على الاستحباب التخييري بالنسبة إلى ما يستلزم الاختلال ، وتقييدها بما لا يستلزم ذلك.
فإن قلت : سلّمنا عدم [استلزام](*) الأمر في المندوبات لأحد المحذورين ، إلّا أنّ استلزام هذه الأوامر للعسر ممّا لا مناص عنه ، كما يشهد به ملاحظة كثرة الأدعية المأثورة وسائر المندوبات.
قلت : نمنع ارتفاع العسر في المندوبات. وتوضيح ذلك : أنّه لا ريب أنّ العقل لا يقبّح التكليف بالعسير إلّا إذا بلغ حدّا يستلزم خلاف اللطف ، كقطع الأعضاء عند إصابة النجاسة أو ما دون ذلك في الجملة ، لأنّ ذلك ربّما يؤدّي إلى المخالفة والعصيان من كثير من الناس ، وهو خلاف اللطف وما ثبت من عموم رأفته. وأمّا الإجماع فلم يثبت في المقام. وأمّا الأخبار فليس مساقها إلّا كمساق الآيات.
فنقول : إنّ قوله تعالى (لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) يحتمل وجوها :
أحدها : أن يكون عدم إرادته سبحانه كناية عن إرادته عدم التكليف العسير ،
__________________
(*) سقط ما بين المعقوفين في الطبعة الحجريّة ، وإنّما أضفناه ليستقيم المعنى كما لا يخفى.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
