باب العلم والظنّ الخاصّ إلى شيء آخر غير الظنّ ، فإنّما هي امور احتملها بعض المدقّقين من متأخّري المتأخّرين ، أوّلهم فيما أعلم المحقّق جمال الدين الخوانساري ، حيث أورد على دليل الانسداد باحتمال الرجوع إلى البراءة واحتمال الرجوع إلى الاحتياط ، وزاد عليها بعض من تأخّر (١٣) احتمالات أخر.
وأمّا المقدّمة الثانية : وهي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة على كثرتها ، وترك التعرّض لامتثالها بنحو من الأنحاء ، فيدلّ عليه وجوه ، الأوّل : الإجماع القطعي على أنّ المرجع على تقدير انسداد باب العلم وعدم ثبوت الدليل على حجّية أخبار الآحاد بالخصوص ليس هي البراءة وإجراء أصالة العدم في كلّ حكم ، بل لا بدّ من التعرّض لامتثال الأحكام المجهولة بوجه ما ، وهذا الحكم وإن لم يصرّح به أحد من قدمائنا بل المتأخّرين (٦٩٦) في هذا المقام ، إلّا أنّه معلوم للمتتبّع في طريقة الأصحاب بل علماء الإسلام طرّا ؛ فربّ مسألة غير معنونة يعلم اتّفاقهم فيها من ملاحظة كلماتهم في نظائرها. أترى (٦٩٧) أنّ علمائنا العاملين بالأخبار التي بأيدينا لو لم يقم عندهم دليل خاصّ على اعتبارها كانوا يطرحونها ويستريحون في مواردها إلى أصالة العدم؟! حاشا ثمّ حاشا. مع أنّهم
______________________________________________________
٦٩٦. بل نفى صاحب المناهج هذه المقدّمة صريحا ، حيث جوّز كون المرجع بعد الانسداد هي البراءة.
٦٩٧. هذا تقريب للمدّعي ، يشهد به أيضا أنّهم قد ذكروا أنّه مع خلوّ العصر من المجتهد لا بدّ من الاحتياط ، ومع تعذّره أو تعسّره لا بدّ من الأخذ بفتوى المشهور من الأموات ، ومع عدم التمكّن بفتوى الأعلم منهم ، ومع عدمه بفتوى أحدهم ، ولم يجوّزوا العمل بالبراءة في الأحكام المشتبهة ، وكذا مع كون المجتهد فاسقا ، لأنّ منهم من ذكر أنّه يجب الأخذ بما ظنّه أنّه أقرب إلى الواقع من فتواه وفتوى الميّت العادل ، وإن كان الأولى ما عرفت. وكذلك قد ذكروا في المحبوس طول السنّة لا يعرف شهر رمضان أنّه يتحرّى شهرا يصومه ، حتّى إنّه قال بعضهم : إنّه لو تبيّن بعد صوم شهر أنّه لم يكن شهر رمضان أجزأه ما صامه. وكلامهم هذا
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
