تعارض خبرين. ثمّ أجاب أوّلا بالنقض بلزوم ذلك عند من منع العمل بخبر الواحد إذا كان هناك خبران متعارضان ؛ فإنّه يقول مع عدم الترجيح (٥٥١) بالتخيير ، فإذا اختار كلا منهما إنسان لزم كون الحقّ في جهتين ، وأيّد ذلك : بأنّه قد سئل الصادق عليهالسلام عن اختلاف أصحابه في المواقيت وغيرها ، فقال عليهالسلام : «أنا خالفت بينهم». ثمّ قال بعد ذلك :
فإن قيل : كيف تعملون بهذه الأخبار ونحن نعلم أنّ رواتها كما رووها رووا أيضا أخبار الجبر والتفويض وغير ذلك من الغلوّ والتناسخ وغير ذلك من المناكير ، فكيف يجوز الاعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء؟ قلنا لهم : ليس كلّ الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه ، ولو صحّ أنّه نقل لم يدلّ على أنّه كان معتقدا لما تضمّنه الخبر ؛ ولا يمتنع أن يكون إنّما رواه ليعلم أنّه لم يشذّ عنه شيء من الروايات ، لا لأنّه معتقد ذلك ، ونحن لم نعتمد على مجرّد نقلهم ، بل اعتمدنا على العمل الصادر من جهتهم وارتفاع النزاع فيما بينهم ، وأمّا مجرّد الرواية فلا حجّية فيه على حال.
فإن قيل : كيف تعوّلون على هذه الروايات وأكثر رواتها المجبّرة والمشبّهة والمقلّدة والغلاة والواقفيّة والفطحيّة وغير هؤلاء من فرق الشيعة المخالفة للاعتقاد الصحيح ، ومن شرط خبر الواحد أن يكون راويه عدلا عند من أوجب العمل به؟ وإن عوّلتم على عملهم دون روايتهم فقد وجدناهم عملوا بما طريقة هؤلاء الذين ذكرناهم ، وذلك يدلّ على جواز العمل بأخبار الكفّار والفسّاق.
قيل لهم : لسنا نقول إنّ جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها ، بل لها شرائط نذكرها فيما بعد ، ونشير هاهنا إلى جملة من القول فيه. فأمّا ما يرويه العلماء المعتقدون للحقّ فلا طعن على ذلك به. وأمّا ما يرويه قوم من المقلّدة ، فالصحيح الذي أعتقده : أنّ المقلّد للحقّ وإن كان مخطئا في الأصل (٥٥٢) معفوّ عنه ، و
______________________________________________________
٥٥١. يعني : بحسب الدلالة ، لفرض القطع بالسند.
٥٥٢. حاصله : أنّ النظر والاجتهاد في تحصيل الاعتقاد باصول العقائد واجب نفسي ، وأنّ التارك له والمعتقد بها عن تقليد مع موافقة اعتقاده للواقع عاص بترك النظر والاجتهاد ، إلّا أنّه معفوّ عنه. وسيأتي الكلام فيه في محلّ آخر.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
