الثاني : أنّ التفقّه الواجب ليس إلّا معرفة الامور الواقعيّة (٤٨٥) من الدين ، فالإنذار الواجب هو الإنذار بهذه الامور المتفقّه فيها ، فالحذر لا يجب إلّا عقيب الإنذار بها ، فإذا لم يعرف المنذر ـ بالفتح ـ أنّ الإنذار هل وقع بالامور الدينيّة الواقعيّة أو بغيرها خطأ أو تعمّدا من المنذر ـ بالكسر ـ لم يجب الحذر حينئذ ، فانحصر وجوب الحذر فيما إذا علم المنذر صدق المنذر في إنذاره بالأحكام الواقعيّة ، فهو نظير قول القائل : أخبر فلانا بأوامري لعلّه يمتثلها. فهذه الآية نظير ما ورد من الأمر بنقل الروايات ؛ فإنّ المقصود من هذا الكلام ليس إلّا وجوب العمل بالامور الواقعيّة ، لا وجوب تصديقه فيما يحكي ولو لم يعلم مطابقته للواقع ، ولا يعدّ هذا ضابطا لوجوب العمل بالخبر الظنّي الصادر من المخاطب في الأمر الكذائي. ونظيره : جميع ما ورد من بيان الحقّ للناس ووجوب تبليغه إليهم ؛ فإنّ المقصود منه اهتداء الناس إلى الحقّ الواقعي ، لا إنشاء حكم ظاهريّ لهم بقبول كلّ ما يخبرون به وإن لم يعلم مطابقته للواقع.
ثمّ الفرق بين هذا الإيراد وسابقه : أنّ هذا الإيراد مبنيّ على أنّ الآية ناطقة باختصاص مقصود المتكلّم بالحذر عن الامور الواقعيّة المستلزم لعدم وجوبه إلّا بعد إحراز كون الإنذار متعلّقا بالحكم الواقعي ، وأمّا الإيراد الأوّل فهو مبنيّ على سكوت الآية عن التعرّض لكون الحذر واجبا على الإطلاق أو بشرط حصول العلم.
______________________________________________________
أصحابنا بها على وجوب تحصيل الاجتهاد وكونه كفائيّا. مع أنّ كلمة «لعلّ» بعد تعذّر معناه الحقيقي ظاهرة في الطلب الإلزامي المولوي ، فلو كان وجوب الحذر مشروطا بحصول العلم كان الأمر به إرشاديّا ، وهو خلاف الظاهر.
٤٨٥. لأنّ الدين عبارة عن امور واقعيّة. وهذا الإيراد في غاية من الضعف ، إذ بعد كون المراد بالحذر وجوب العمل والقبول ، وبالإنذار إبلاغ الحكم مطلقا كما عليه مبنى هذا الإيراد ، لا إبلاغه على وجه التخفيف كما عليه مبنى الإيراد الثالث ، فلا ريب في ظهور الآية في إنشاء حكم ظاهري لوجوب التعبّد بخبر المنذرين ، لأنّها حينئذ نظير قولك لزيد : إذا أخبرك عمرو بأمري يجب عليك امتثاله.
وأمّا تنظيره على قول القائل : أخبر فلانا بأوامري لعلّه يمتثلها ، فهو قياس مع
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
