فالصلاة حظ القلب فلا يرغب فيها إلا أهل القلوب والأذواق (١).
__________________
(١) قال سيدي محمد وفا في المعاريج : فللنفس في منازلها الطورية صلاة تختص بكل منزل منها سفلي وعلوي ، ملكي وملكوتي ، جسماني وروحاني ، ظلماني ونوراني ، فللجسم صلاة في طوره الجسماني ، وللنفس صلاة في طورها النفساني ، وللصدر صلاة في طوره الجبروتي ، وللقلب صلاة في طوره الملكوتي ، وللروح صلاة في طورها الروحاني ، وللسر صلاة في طوره النوراني ، وللفؤاد صلاة في طوره الرضواني ، فصلاة الجسم تشتمل على أوصاف من القيام ، منتصبا متوجها نحو الكعبة حيثما كان ، في بقعة من بقاع الأرض رافعا يديه في تكبيرة الإحرام ، محركا لسانه بدراسة القرآن ، راكعا رافعا ساجدا جالسا آتيا بصفات الصلاة الشرعية ، ظاهرا كما صلّى رسول الله صلىاللهعليهوسلم في ظاهر الأمر الصلاة المشروعة التي أمر بالإتيان بها ظاهرا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «صلّوا كما رأيتموني أصلّي (١)» ، فتلك صلاة الأجساد المكتفى بها في ظاهر الشرع ، وأما صلاة النفوس فهي أن تضم لما وصفناه من أفعال الجسم ، قراءة ما تيسر من القرآن بعد الإتيان بالفاتحة ؛ إذ لا تصح الصلاة إلا بها على رأي أكثر الأئمة الراشدين ، كالإمام الشافعي ، والإمام مالك ، والإمام أحمد بن حنبل ، وعامة علماء الدين رضي الله عنهم أجمعين ، وينطق بالتكبير قبل القراءة وبعدها في كل أفعال الصلاة من الركوع والرفع منه ، والسجود والرفع منه ، والقيام ، وإن تكرّر منه ذلك ، والتسبيح ، والتحميد ، والتمجيد ، والدعاء ، والتحيات بكمالها ، والتشهّد ، والصلاة على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فيه ، وضم الصلاة على آله ؛ للصلاة عليه في التشهّد الأخير ، والنطق بالسلام على أهل اليمين عند الخروج من الصلاة ، والسّلام على ملائكة اليسار مع المحافظة على إخراج الحروف في تلاوة القرآن ؛ إذ ذاك شرط في صحة الصلاة المشروعة ، فإذا أتى بجميع ما ذكرناه فقد أدى صلاة النفس مع صلاة الجسم ، وأما صلاة الصدر فهي التهيؤ للتسوية والتعديل للانشراح لقبول الواردات ، والخروج عن وصفيّ الضيق والحرج ، فيضم لما وصفناه من صلاتي الجسم والنفس الانشراح والانبساط ، والاستسلام لحقيقة الإسلام ، وتلقّي أنواره ، وقبول وارداته ، فيقوم بنشاط في التوجّه والبسط لصلاته ، فيرتل القرآن ترتيلا ، ويتفهّم ما يتفوّه به من التنزيل ، وما ينطق به من التكبير (١) والذّكر والتسبيح والتحميد ، فهو بأفعاله في صلاته سالك منهاجه بنور من ربّه ، فلا يضل في طريقه ، ولا ينسى القيام بواجب حقه ، فثمرة صلاته الانشراح بعد الحرج ، والضيق والانبساط بعد الحصر في الفج العميق.
وأما صلاة القلب فهو أن يضم لما وصفناه من الصلوات الثلاث :
حضور النية عند الدخول في الصلاة ، ولزوم الأدب ، والخضوع ، والخشوع ، والخوف ، والخشية ، والتذلل ، والتواضع ، والتصاغر ، والتضاؤل ، ولزوم الحضور في جميع الصلاة ، وألا يلتفت فيها يمينا ولا شمالا ، وأن يعلم من يناجي في صلاته ، فيضيف لما وصفناه في قراءته تدبّر القرآن ، فيتدبره بعد
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
