تحصل بالممارسة والإدمان ، فإنها على تقدير قوتها في النفس ليست بمنزلة الرحمة الأولى ، ولذا مدح العرب بالسخاء ؛ لأنه جبلي لهم غالبا (١).
__________________
(١) الرحمة : إجراء الموافق لظاهر الشيء وباطنه ، إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق فقسمه قسمين :
شقيّا وسعيدا ، فالشقيّ في نقمته ، والسعيد في رحمته.
والرحمة رتب ، فإن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فتفاوت العباد في رحمته ، فلكل مرحوم حظه من الرحمة ، تقع منه بوفق إلى حدّ وقدر من ذلك العد ، ولما كان صلىاللهعليهوسلم المنتهي فيما يوافقه إلى أعظم الغايات في ذاته وفى آله وفى أهل بيته وفيمن تصل إليه شفاعته من خلق ربه حتى قال له : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) [الضحى : ٥] ، التي هي عند أهل البيت أرجى آية في كتاب الله ، كان مناله من الرحمة المنال الأعظم ، الذي لم يبق ما خوّله الله من الوفق محل خلاف ، كما قال تعالى : (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)[هود : ١١٨ ، ١١٩] ، وهو الذي رحمه ربّه بالرحمة العامّة التامّة فلم يبق عنده خلاف ، فكان كل أمره وفقا حتى قالت له عائشة رضي الله عنها : «يا رسول الله ، إنّ ربّك يسارع إلى هواك» ، وكذلك الأمر في آله كما قال صلىاللهعليهوسلم في عليّ عليهالسلام : «اللهمّ أدر الحقّ معه حيث دار ؛ ليكون كائن الخلق والأمر وفقا له» ، فهو صلىاللهعليهوسلم المرحوم الرحمة التي انتهت إلى الغاية التي ليس وراءها مرمى ولا منتهى ، بما له من كل شيء أحمده ، وبما هو المرحوم الكامل الرحمة كانت الموصل إلى الله ، كما كان المرحوم في الطامة الأولى عاصما من نقمة الله في مضمون قوله تعالى : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)[هود : ٤٣] ، كأنه يقول عليهالسلام لابنه : لا يعصمك إلا العبد المرحوم الذي هو نوح عليهالسلام ، وكان ذلك من أول بوادي الرحمة لما ظهر بها من العصمة ، فكان بداية الرحمة عصمة ، وكان كمالها توصيلا ، (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ)[الأحزاب : ٧] فكان ميثاقهم التوصل إلى الله ، وكان من ميثاقة نوح العصمة من انتقام الله ، ولكل نبيّ فيما بينهما رحمة تخصّه ، واقية من سوء ، أو مرقية إلى خير ، وهذا التوجيه يدانيها ؛ لأن الطوفان أول طامّة ظهرت في الدنيا ، وسائر الطوامّ في هذه الأمة ، كما ذكر أن : «الطوامّ سبعة» ، والرحمة الكاملة المحمدية عاصمة من جميعها ، قال صلىاللهعليهوسلم : «المعاقل ثلاثة : فمعقلهم من الملاحم دمشق ، ومعقلهم من الدّجال البيت المقدس ، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء» ، كذلك رحمته المحمدية عاصمة في يوم الجزاء إلى ما وراء أمر الدنيا والآخرة ، من هذا التوسل المحمديّ الذي نهايته التوصل إلى الله ، والعصمة مما سواه الذي هو النهاية ، والحمد لله ربّ العالمين.
وقال الرصاع : ومعنى نبي الرحمة : أي النبي الذي بعثه الله سبحانه رحمة للعالمين ، ورءوفا بالخلق أجمعين ، فبعثه الله رحمة ، وشريعته رحمة ، وأفعاله رحمة ، وأخلاقه رحمة ، وبشارته رحمة ، ونذارته رحمة ، وجميع ما قاله أو فعله أو تحرّك به رحمة ، وحياته رحمة ومماته رحمة.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
