وجود له في الحقيقة ؛ ولذا لا يغفره الله ، ولا يستره بخلاف الشرك الصوري ؛ وهو ما لم يكن عن اعتقاد ؛ بل كان إكراها وإجبارا ، فإن له سلطان ، كما قال تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) [النحل : ١٠٦].
فإذا كان الشرك الإجباري مغفورا ؛ كان العصيان الاضطراري مغفورا أيضا ؛ كأكل الميتة حال المخمصة ، وشرب الخمر حال الغصة ونحو ذلك ؛ فإن له برهانا سماويا أيضا ، كما عرف في القرآن. وبالجملة : إن ما أضيف إلى الله تعالى ؛ فهو إيمان ولو في صورة الشرك ، وما أضيف إلى العبد فهو شرك ولو في صورة الإيمان ، نعم قد يكون إضافة المعصية إلى النفس توحيدا لما يقتضيه طريق الأدب ، وإن كان كل الأفعال صادرة بخلق الله تعالى وتأثيره.
وقال الله سبحانه وتعالى : (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ) [آل عمران : ١٥٩].
باء السببية وما بعدها : تشير إلى أن رحمة الله تعالى ذاتية أصلية ، ليست بجعل جاعل أو بسبب من الأسباب.
أمّا الأول : فلأنه لو كانت بالجعل ، يقتضي تقدّم الجاعل عليه تعالى ، والله تعالى هو الأول والآخر.
وأمّا الثاني : فلأن كونها بالسبب ، يقتضي العلل في الصفات الإلهية ، وإلى أن رحمة العبد عرضية فرعية ، لكن هذا يتصور على وجهين :
الأول : أن يكون العبد مجبولا عليها في الفطرة الأولى.
والثاني : أن يتصور ذلك بحسب الأمور الخارجة عن ذات الراحم.
فرحمة النبوة من الرحمة الأولى الجبلية ؛ لأنها وإن كانت عارضة لذاته لاحقة لها من قبل الله تعالى ؛ لكنها لمّا كانت الذات مجبولة عليها في الفطرة الأولى ؛ جعلت كأنها ذاتية ليس من الخارج أصلا ، وهو المناسب لشأن النبوة.
وإمّا رحمة غير النبوة : فقد تكون ذاتية ، وقد تكون بالممارسة ، ورياضة النفوس وتعليمها ، والمباشرة بأسباب الرحمة ، فظهر أن كون النبي صلىاللهعليهوسلم ليّن الجانب لأمته ؛ وإنما هو من آثار الرحمة الذاتية التي أودعها الله تعالى فيه لا من آثار الرحمة الفرعية التي
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
