في سورة النمل
قال الله سبحانه : (قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ) [النمل : ٥٧].
اعلم أن الله سبحانه قدّر الدنيا : أي قضى حصولها ووقوعها ، وعلّق ذلك بوقت معين ، فخلقها قبل الآخرة باللعنة متطاولة ، وسمّاها دنيا ؛ لدنوّها وقربها ، وسمّى الآخرة آخرة ؛ لتأخّرها عن الدنيا ، ولم يعكس ؛ لأن الآخرة ثمرة الابتلاء والتكليف ، فاقتضت الحكمة تقديم دار الابتلاء عليها ؛ لتكون من الهالكين ، وتأخير دار الثواب ؛ لتكون من الخالدين.
فحصل لنا من هذا ان كلّا من الهالك والناجي كثير ؛ لكن الهالك ؛ إنما هو الصورة ؛ كصورة السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وصورة الإنسان الناقص بعد الموت ، وصور سائر الأشياء التي لا تحصى.
وأمّا الناجي : فهو الصورة والمعنى جميعا ؛ نحو الكرسي ، والجنة ونعيمها وأهلها ، والعرش ، والأرواح ، والقلوب ، وصور الكمّل بعد الموت ، ونحو ذلك من مواد الأشياء ، فإن الهالك صورة ناج مادة ومعنى ؛ لأن الوجود لا يفنى بالكلية ، وإلا كان التجلّي به عبثا ، كما أن المقطعات والمتشابهات ليست بمجهولة رأسا ، وإلا ما أنزل الله بها.
فقوله تعالى : (قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ) [النمل : ٥٧].
المراة التي هي صورة الدنيا إجمالا ، كما أن آدم إجمال العالم ؛ لكن لمّا كانت الشهوات والزين من الأمور السالفة الدنيّة ؛ قيل للمرأة : صورة الدنيا بإضافة الصورة إلى الدنيا ، ولمّا كانت المعالم والشواهد من الأمور العالية الشريفة ؛ قيل أن آدم صورة العالم ؛ لأن أصل العالم علم ، ثم أدخل ألف الإشباع ؛ وهو علم لوجود الله تعالى على أن العالم أعم من الدنيا ؛ لأن الدنيا ؛ إنما هي عالم الكون والفساد الذي مبدؤه مقعر السماء السابعة ، ومنتهاه نهاية الأرضين.
وأمّا العالم : فيشمل الأجسام كلها التي حواها العرش ؛ بل الأرواح المهيمة ؛ لأنها أول علامة على وجود الله تعالى ووحدته وقدرته وإرادته ؛ لكونها أول المبدعات ، ففي التعبير بالعالم من الشريف والتعميم ما ليس في التعبير بالدنيا ،
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
