__________________
ـ فانظروا رحمكم الله هذه الآية الكريمة ، كيف فسّرت الصادقين في أعمالهم ، والمتقين في أحوالهم ، وهم الذين يؤمنون بالله ، واليوم الآخر ، ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويوفون بعهدهم ، ويصبرون على ضررهم.
وبالجملة : بالتقوى تجمع امتثال كل مأمور به ، والمحافظة عليه ، واجتناب كل منهى عنه من التلبّس به ، والقرب إليه ، فلا تطمع أن تكون متقيا حتى تكون حسن المعاشرة ، كريم الصنيع ، ليّن الجانب ، باذلا للمعروف ، مطعما للطعام ، مفشيا للسلام ، عائدا للمرضى ، مشيّعا للجنائز ، محسنا للجوار ، موقرا للكبار ، راحما للصغار ، عفوّا عن الزلّات ، مصلحا بين الناس ، كريما سمحا ، مبتدئا بالسلام ، كاظما للغيظ ، جامعا لخصال الخير ، تاركا لخصال الشر ، معرضا عن الباطل ، والغناء ، والأوتار ؛ تاركا للكذب ، والغيبة ، والغش ، والخديعة ، والشحّ ، والجفاء ، والنميمة ، وسوء الظن ، وقطيعة الأرحام ، وسوء الخلق ، والتكبّر ، والفخر ، والعجب ، والاختيال ، والمزاح ، والفحش ، والحقد ، والحسد ، والطيرة ، والبغي ، والعدوان والظلم ، والرياء ، والسمعة.
فإذا علمت هذه المأمورات وفعلتها ، وعرفت هذه المنبهات واجتنبتها ، رجوت من مولاك أن تكون عنده متقيا ، ومن عقابه في الدار الآخرة ناجيا.
ولقد حذّرنا نبينا صلىاللهعليهوسلم من هذه المنهيات ، وحثّنا على فعل هذه المأمورات.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه : فلم يدع رسول الله صلىاللهعليهوسلم نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها ، وأمرنا بها ، ولم يدع غشا ، ولا عيبا إلا وحذّرنا منه ، ونهانا عنه.
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : أوصاني رسول الله.
قال لي : «يا معاذ ، أوصيك : بتقوى الله ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، ولين الكلام ، وبذل السّلام ، وحسن العمل ، وقصر الأمل ، ولزوم الإيمان ، والتفقّه في القرآن ، وحب الآخرة ، والجزع من الحساب ، وخفض الجناح.
وأنهاك : ان تشتم حليما ، أو تكذّب صادقا ، أو تطيع آثما ، أو تعصي إماما عادلا ، أو تفسد أرضا.
أوصيك : بتقوى الله عند كل حجر ، ومدر ، وشجر ، وأن تحدث عند كل ذنب توبة ، السر بالسر ، والعلانية بالعلانية».
هذه صفات المتقين ، وشعار الصالحين ، وطريقة أولياء الله المتقين ، وسلوك القوم الناجين.
فمع تحقق هذه الصفات في النفوس تحقق الكرامة ، ومع ثبوتها ، ودوامها تظهر الاستقامة ، ونحن فينا من التقوى طريق به يقتدى ، ولا ما نرجو به النجاة إلا حب النبي محمد صلىاللهعليهوسلم.
وقد وعد مولانا جلّ جلاله على من حصل منّا التقوى أن يصلح لنا أعمالنا ، ويغفر لنا ذنوبنا.
فقال عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب : ٧١].
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
