المضارع ، وذلك أنها إذا دخلت على المضارع الذي يقتضي الزمان فحكمها حكم ما دخلت على الماضي.
كما في (قد) الواقعة في قوله تعالى : (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ) [النور : ٦٣] ، [الأحزاب : ١٨] ، فإن الله تعالى لا يجري عليه زمان ، فعلمه ليس بمقيّد بواحد من الأزمنة ، بل هو عالم في جميع الأزمنة على سواء على التحقيق ، وكذا الآخرة لا يجرى عليها زمان ؛ لأنه لا ليل ولا نهار هناك إلا بالاعتبار ، فهما الليل والنهار حكما لا حقيقة.
ف (ربّ) هاهنا ك (قد) الداخلة على المضارع الذي لا يقتضي الزمان ، فيكون المراد تحقق وداوتهم لا تقليلها ، وفي إيرادها على المضارع نوع تهكم بهم ، كما يقتضيه الذوق الصحيح.
ودلّ على ما ذكرنا قوله تعالى : (قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) [النور : ٦٤] ، فإنهم إذا كانوا مستمرين على ما هم عليه ، فعلمه تعالى به مستمرّا أيضا على أن العرب يقول في صورة الأطماع ربما يكون ، فإنه يوده في صورة الاحتمال ، والمراد القطع.
ويظهره قوله تعالى : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [المائدة : ٨] ، فإنه جعل العدل أقرب للتقوى من سائر الصفات مع أنه من نفس التقوى ؛ لأن في العدل حذرا وتوقيا عن الظلم ، وكذا في سائر الطاعات ، فإن فيها كلها احترازا عن المعاصي ، وقولهم يشبه أن يكون هذا من هذا الباب من ذلك القبيل ونحوه قول المعجم شادمان : إذ ليس المقصود التشبيه ، بل الإخبار عن الفرح والسرور ، وربما يكون المراد بالاحتمال الإشارة إلى عدم الوقوع إذا كان هناك قرينة ، كما إذا كان القائل غير معروف بالكرم وصدق الوعد ، وأما الوعيد فهو عند أهل التحقيق يجري فيه الخلف ، وإن كان بطريق القطع والتحقيق ؛ لأنه من باب الكرم عند العرب ، بخلاف الخلف في الوعد ، والفرق أن في خلف الوعد ضرر الجانب الموعود ، وأما في خلف الوعيد فنفع للمتوعد ، والله يفعل ما يشاء.
وقد قال تعالى : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر : ٤٧] ، فربّ خصم يجد الخصم مصالحا يومئذ ، وربّ منكر عمله على الإقرار ما بدا له من خلاف عقيدة في الدنيا.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
