بعض أهل الكمال ممن هو على طريقتنا الجلوتية ـ بالجيم ـ فرأى أن الإمام أبا حنيفة دخل في بحر ، فلمّا توسّطه ؛ ردّ إلى الساحل ؛ يعني دخل في بحر الحقيقة ، إذ ما يحكى عنه من مشاق العبادات ، وحقائق التقوى ، وشدائد الأحوال ؛ يعطي الغوص في ذلك البحر ، كما ذهب إليه الإمام الغزالي في الإحياء.
وأمّا أنه لم يصدر عنه كلام يتعلّق بالحقائق ، كما صدر عن الشافعي ؛ فذلك وهم من الغزالي ، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في شرحنا على نخبة الفكر في أصول الحديث.
وأمّا ردّه إلى الساحل ؛ فردّ من الفناء إلى البقاء لإرشاد الناس في مرتبة
__________________
ـ وكان يقول : تفقّه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقّه.
وكان يقول : جمال العلماء كرم النفس وتهيئته للورع والحلم.
وكان يقول : ليس العلم ما حفظ إنما العلم ما نفع.
وكان يقول : الناس في غفلة عن هذه السورة : (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ)[العصر : ١ ، ٢] ، وكان قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء ، يتفكر في العلم في الثلث الأول ، والثاني يصلي ، والثالث ينام.
وفي رواية : وما كان ينام إلا يسيرا ، وكان يختم في كل يوم ختمة.
وكان يقول : ما كذبت قط ، وما فزعت من الفقر قط ، وما تركت غسل الجمعة قط.
وكان يقول : من أحب أن يختم الله تعالى بخير فليحسن الظن بالناس.
وكان يقول : ليس بأخيك من احتجت لمداراته.
وكان يقول : من علامة الصادق في اخوته لأخيه : أن يقبل علله ، ويسد خلله ، ويغفر ذلله.
وكان يقول : ليس سرور يعدل صحبة الإخوان ، ولا هم يعدل فراقهم.
وكان يقول : التكبّر من أخلاق اللئام.
وكان رضي الله عنه كثير الأسقام ، وكان رضي الله عنه ذا هيبة ، وكان أصحابه لا يجترءوا أن يشربوا الماء وهو ينظر إليهم.
وكان يقول : أحب لكل مسلم أن يكثر الصلاة على رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
قال الربيع : دخلت على الشافعي ليلة مات ، فقلت له : كيف أصبحت؟ فقال : من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولكأس المنيّة شاربا ، ولسوء أعمالي ملاقيا ، وعلى الكريم واردا ، ثم بكى رضي الله عنه.
انظر في ترجمته : الكواكب الدرية للمناوي (١ / ٤٨٠) ، وتذكرة الحفاظ (١ / ٣٢٩) ، ومناقب الشافعي للرازي ، وللبيهقي ، وكتب تراجم فقهاء المذهب.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
